في بيان أنه إنْ سُلِّط على آيات التوحيد القولي العلمي وأخباره لزم تسليطُه على آيات التوحيد العملي وأخباره وفسد التوحيد معرفةً وقصدًا
هذا فصلٌ عظيم النفع جليل القدر، إنما ينتفع به مَن عرف نوعَيِ التوحيد: القولي العلمي الخبري، والتوحيد القصدي الإرادي العملي، كما دلَّ على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ﴾. وكذلك دلَّ على الأول قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٥]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿* قُلْ يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ...﴾ الآية [آل عمران: ٦٣]. ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنة الفجر٢، وسُنة المغرب٣،
ويقرأ بهما٤ في ركعتَيِ الطواف٥. ويقرأ بالآيتين في سُنة الفجر٦ لتضمُّنهما التوحيدَ
(١) «ح»: «الفصل السابع عشر». «ب»: «الفصل الثامن عشر». والصواب أن هذا الفصل تابع للفصل السابق، فلم يُعد فصلًا منفصلًا في الفهرس الوارد في مقدمة الكتاب، وسيأتي الفصل الثامن عشر في النسختين موافقًا للفهرس المتقدم.
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٣١) وابن ماجه (١١٦٦) عن ابن مسعود ﵁، وقال الترمذي: حديث غريب. وفي الباب عن علي وابن عمر ﵃، ينظر: «نتائج الأفكار» لابن حجر (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢).
(٤) «ب»: «ويقرأهما».
(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله ﵄.
(٦) أخرجه مسلم (٧٢٧) عن ابن عباس ﵄.
العلمي والعملي. والتوحيدُ العلمي أساسُه إثبات صفات الكمال للربِّ تعالى ومباينته لخَلْقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. والتوحيدُ العملي أساسُه تجريد القصد بالحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب واللسان والجوارح لله وحده لا شريك له١. فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كُتبه على هذين التوحيدين، وأقرب الخلق إلى الله أقومُهم بهما علمًا وعملًا. ولهذا كانت الرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم - [ق ٢١ أ] أقربَ الخلق إلى الله، وأقربُهم إليه وسيلةً أولو العزم، وأقربُهم الخليلانِ، وخاتَمُهم سيِّد ولد آدم وأكرمُهم على الله بكمال توحيده وعبوديته لله.
فهذان الأصلان هما قُطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور. والله سبحانه بيَّنَهما غايةَ البيان بالطرق الفطرية والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة، ونوَّع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل التنويع، بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها٢ للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء، فذاك للبصيرة بمنزلة هذا٣ للبصر.
فإنْ سُلِّط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهلَ، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمينِ، لا ينفك أحدهما