الصواعق المرسلة

محيطةٌ ببعض ومكان له. وأمَّا سطح الفلك الخارج١ فقد تبرهن٢ أنه ليس خارجه جسمٌ؛ لأنه لو كان ذلك٣ كذلك لوجب أن يكون خارجَ ذلك الجسم جسمٌ آخر، ويمر٤ الأمر إلى غير نهاية. فإذًا سطحُ آخر أجسام العالم ليس مكانًا أصلًا؛ إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسمٌ؛ لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسمٌ. فإذًا إنْ قام البرهانُ على وجود موجود في هذه الجهة فواجبٌ أن يكون غير جسمٍ، فالذي يمتنع٥ وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم.

وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء. وذلك أن الخلاء قد تبيَّن في العلوم النظرية امتناعُه؛ لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا أكثرَ من أبعادٍ ليس فيها جسمٌ، أعني: طُولًا وعرضًا وعمقًا؛ لأنه إنْ رُفِعت الأبعادُ٦ عنه عاد عَدَمًا، وإن أُنزِلَ الخلاء موجودًا لزم أن يكون أعراضٌ موجودة في غير جسمٍ؛ وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد. ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع هو مسكن الرُّوحانيين، يريدون الله والملائكة، وذلك أن ذلك الموضع ليس هو بمكان٧ ولا يحويه زمانٌ. وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان

  1. (١) «مناهج الأدلة»: «الخارجي».
  2. (٢) «ح»: «برهن».
  3. (٣) «ذلك» ليس في «ح».
  4. (٤) «ح»: «وممر».
  5. (٥) «ح»: «والذي يمنع».
  6. (٦) «ب»: «الأبصار».
  7. (٧) «ب»: «مكان».
190

فاسدًا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غيرَ فاسدٍ ولا كائنٍ [ق ٢١ ب]. وقد تبيَّن هذا المعنى ممَّا١ أقوله، وذلك أنه لمَّا٢ لم يكن ها هنا شيءٌ، إلَّا هذا الموجود المحسوس أو العدم٣، وكان من المعروف بنفسه٤ أن الموجود إنما يُنسَب إلى الوجود، أعني أنه٥ يقال إنه موجودٌ - أي: في الوجود - إذ لا يمكن أن يقال إنه موجودٌ في العدم. فإن كان ها هنا موجودًا هو أشرفُ الموجودات فواجبٌ أن يُنسَب من الموجود المحسوس إلى الجزء٦ الأشرف وهي السماوات. ولشرفِ هذا الجزء٧ قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اِلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم.

فقد ظهر لك من هذا أن٨ إثبات الجهة واجبٌ بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطالٌ للشرائع٩، وأن وجه العُسر في تفهيم١٠ هذا المعنى مع نفي الجسمية١١ هو أنه ليس

  1. (١) «ح»: «ما».
  2. (٢) «لما» ليس في «ح».
  3. (٣) «ح»: «المعدوم».
  4. (٤) بعده في «ح»: «به».
  5. (٥) «ح»: «أن».
  6. (٦) «ح»: «الحيز».
  7. (٧) «ح»: «التحيز».
  8. (٨) «أن» ليس في «ح».
  9. (٩) «ح»: «الشرائع».
  10. (١٠) «ح»: «العرفي يفهم».
  11. (١١) «ح»: «الجهمية».
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي