الصواعق المرسلة

في الشاهد مثالٌ له، فهو بعينه السبب في أنه لم يصرِّح الشرع بنفي الجسم عن١ الخالق سبحانه؛ لأن الجمهور إنما يقع لهم٢ التصديقُ بحكم الغائب متى كان ذلك معلومَ الوجود في الشاهد، مثل العلم بالصانع، فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب. وأمَّا متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر، ولا يعلمه إلَّا العلماء٣ الراسخون، فإن الشرع يَزجُر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثالًا من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم٤.

والشبهة الواقعة في نفي الجهة - عند الذين نفَوْها - ليس يتفطن الجمهور إليها، لا سيما إذا لم يصرِّح لهم بأنه٥ ليس بجسمٍ، فيجب أن يمتثل في هذا كله فِعل الشرع، وأن لا يتأول ما لم يُصرِّح الشرع٦ بتأويله.

والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب:

صِنفٌ لا يشعرون بالشكوك العارضة٧ في هذا المعنى، وخاصة متى

  1. (١) «ح»: «على».
  2. (٢) «ب»: «على».
  3. (٣) «العلماء» ليس في «ب».
  4. (٤) من قوله: «إن كان بالجمهور» إلى هنا ليس في «ب». وفي «ح» تحرف لفظ «سعادتهم» إلى «معادتهم». وصوبته من «م» و«مناهج الأدلة» لابن رشد.
  5. (٥) من قوله: «ليس يتفطن» إلى هنا ليس في «ب».
  6. (٦) من قوله: «وأن لا يتأول» إلى هنا ليس في «ب».
  7. (٧) «ح»: «للمعارضة».
192

تُركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثر، وهم الجمهور.

وصِنفٌ عرفوا حقيقة هذه الأشياء، وهم العلماء الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس.

وصِنفٌ عرضت لهم في هذه الأشياء شكوكٌ ولم يقدروا على حلها، وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء، وهذا الصِّنف هم الذين يُوجد في حقهم التشابهُ في الشرع، وهم الذين ذمَّهم الله. وأمَّا عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابهٌ، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يُفهم التشابه. ومثال ما عرض لهذا الصِّنف مع الشرع مثالُ ما يعرض في خبز البُرِّ مثلًا - الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان - أن يكون لأقل الأبدان ضارًّا، وهو نافعٌ للأكثر، وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضرَّ الأقل، ولهذا١ الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا اَلْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٥]

لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في٢ الأقل منها والأقل من الناس، وأكثرُ ذلك هي الآيات التي تتضمَّن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيُعبَّر٣ عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات٤ إليها، وأكثرها شبهًا٥ بها، فيعرض لبعض الناس أن يأخذ

  1. (١) في النسختين: «وبهذا». وفي «م»: «وإلى هذا». والمثبت من «مناهج الأدلة».
  2. (٢) «في» ليس في «ب».
  3. (٣) «ح»: «فيصير».
  4. (٤) «ب»: «الوجودات».
  5. (٥) «ح»: «تشبيهًا».
193

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي