الصواعق المرسلة

الممثَّل به هو المثال نفسه١، فيلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يُسمَّى متشابهًا في الشرع. وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور، وهم صِنفَا الناس في الحقيقة؛ لأن هؤلاء هم الأصِحَّاء، والغذاء الملائم إنما يُوافق أبدان الأصحاء٢. وأمَّا أولئك فمرضى، والمرضى هم الأقل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وهؤلاء أهل الجدل٣ والكلام.

وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا ممَّا ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أتى اللهُ به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان. فإذًا ما أبعدَ مِن مقصد الشرع مَن قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه. ثم أوَّلَ ذلك المتشابِهَ بزعمه، وقال لجميع٤ الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش، وغير ذلك ممَّا قالوا إن ظاهره متشابِهٌ.

وبالجملة فأكثرُ التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤمِّلَت وُجدتْ ليس يقوم عليها برهانٌ، ولا تفعل فِعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم٥ عنها. فإن المقصود الأول بالعلم في حق

  1. (١) «ب»: «يقيسه».
  2. (٢) «والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء». في «ح»: «عن».
  3. (٣) «الجدل» ليس في «ح».
  4. (٤) «ح»: «فجميع».
  5. (٥) «ب»: «وعلمهم».
194

الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفعَ في العمل فهو أجدرُ. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعًا، أعني العلم والعمل.

ومثال مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع، وزعم أن ما أوَّلَه هو الذي قصده الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور: مثال مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيبٌ ماهرٌ ليحفظ صحةَ جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجلٌ فلم يلائمه ذلك [ق ٢٢ أ] الدواء المركَّب الأعظم لرداءة مزاجٍ كان به ليس يعرض إلَّا للأقل من الناس، فزعَمَ أن بعض الأدوية الذي١ صرَّح باسمه الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركَّب لم يُرِدْ به ذلك الدواءَ التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخَرَ ممَّا يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعلَ فيه بدلَه الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيبُ، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيبُ الأول. فاستعمل الناسُ ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوَّله عليه ذلك المتأوِّل٢، ففسدت به أمزجةُ كثيرٍ من الناس. فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواءٍ آخرَ غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع٣ الأول. فجاء ثالثٌ فتأوَّل في أدوية ذلك المركَّب غيرالتأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس٤ نوعٌ ثالثٌ من المرض

  1. (١) «ب»: «التي».
  2. (٢) في النسختين: «المثال». والمثبت من «م» و«مناهج الأدلة».
  3. (٣) «النوع ليس في «ح».
  4. (٤) «للناس» ليس في «ب».
195

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي