الصواعق المرسلة

غير النوعين المتقدمين. فجاء متأوِّلٌ رابع فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة. فعرض منه للناس نوعٌ رابعٌ من المرض١ غير الأمراض المتقدمة، فلمَّا طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيَّروها وبدَّلوها، عرض منه للناس أمراضٌ شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركَّب في حق أكثر الناس.

وهذه هي حال هذه الفِرَق الحادثة في الشريعة. مع الشريعة، وذلك أن كل٢ فرقةٍ منهم تأوَّلت في الشريعة تأويلًا غير التأويل الذي تأوَّلته الفرقةُ الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع، حتى تمزَّقَ الشرعُ كلَّ مُمزَّقٍ، وبَعُدَ جدًّا عن موضوعه الأول. ولمَّا علم٣ صاحب الشرع ﷺ أن مثل هذا يعرض، ولا بد، في شريعته، قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»٤. يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهرَ الشرع

  1. (١) «ح»: «الأمراض».
  2. (٢) «كل» سقط من «ح».
  3. (٣) «ح»: «علمه».
  4. (٤) أخرجه الإمام أحمد (١٧٢١١) وأبو داود (٤٥٩٧) والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٢٨) عن معاوية بن أبي سفيان ﵄. وقال الحاكم: «هذه أسانيد تقام بها الحُجة في تصحيح هذا الحديث». وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٩/ ٣٨): «تفرد به أبو داود، وإسناده حسن».
    وأخرجه أحمد (١٢٨١٥) وابن ماجه (٣٩٩٣) والضياء في «المختارة» (٧/ ٨٩) عن أنس بن مالك ﵁، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١٤١٢): «إسناد صحيح رجاله ثقات».
    قلنا: وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃، ينظر: «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي (١/ ٤٤٧ - ٤٥١) و«الأجوبة المرضية» للسخاوي (١٤٧). وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٤٥): «الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند».
196

ولم تؤوِّله.

وأنت إذا تأملتَ ما١ عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض٢ فيها من قِبَل التأويل٣ تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح، وأولُ مَن غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارجُ، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فَطَمَّ الوادي على القَرِيِّ٤».

وذكر كلامًا بعد ذلك يتعلق٥ بكُتب أبي حامد٦ ليس لنا غرضٌ في حكايته.

  1. (١) «ب»: «في».
  2. (٢) «ح»: «المعارض».
  3. (٣) «التأويل» ليس في «ح».
  4. (٤) يقال: «جرى الوادي فطمَّ على القَرِيِّ». أي: جرى سيل الوادي فطمَّ أي: دفن، يقال: طمَّ السيلُ الركيةَ. أي: دفنها، والقريِّ: مجرى الماء في الروضة، والجمع أقرية وقريان، و«على» من صلة المعنى: أي أتى على القري، يعني: أهلكه بأن دفنه، يُضرب عند تجاوز الشر حده». قاله الميداني في «مجمع الأمثال» (١/ ١٥٩).
  5. (٥) «ح»: «متعلق».
  6. (٦) «أبي حامد» ليس في «ح».
197

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي