الصواعق المرسلة

بِأَرْضٍ فَلَاةٍ، وَالْكُرْسِيَّ فِي١ الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي أَرْضٍ٢ فَلَاةٍ، وَالْعَرْشُ لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ سُبْحَانُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ يَرَى مَا عِبَادُهُ عَلَيْهِ»٣.

فهذا هو الذي قام بقلوب المؤمنين المصدِّقين العارفين به سبحانه من المثل الأعلى، فعرفوه به، وعبدوه به، وسألوه به٤ فأحبوه وخافوه ورجَوْه، وتوكلوا عليه، وأنابوا إليه، واطمأنوا بذِكره، وأَنِسُوا بحبه بواسطة هذا التعريف. فلم يصعب عليهم بعد ذلك فَهمُ٥ استوائه على عرشه، وسائرِ ما وصف به نفسَه من صفات كماله٦؛ إذ قد أحاط علمهم بأنه لا نظيرَ لذلك ولا مثلَ له، ولم يخطر بقلوبهم مماثلتُه لشيءٍ من المخلوقات.

وقد أعلمهم سبحانه على لسان رسوله «أَنَّهُ يَقْبِضُ سَمَاوَاتِهِ بِيَدِهِ

  1. (١) «ب»: «و».
  2. (٢) «ب»: «بأرض».
  3. (٣) أخرجه محمد بن عثمان بن أبي شيبة في «العرش» (٥٨) والطبري في «التفسير» (٤/ ٥٣٩) وابن حبان (٣٦١) وأبو الشيخ في «العظمة» (٢٠٦) والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٨٦١، ٨٦٢) عن أبي ذر ﵁ دون قوله: «والعرش لا يَقدر قَدْره إلا الله ...» الحديث، وقال الذهبي في «العلو» (٣٠٧): «الخبر منكر». وقال ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤١١): «وله شاهد عن مجاهد أخرجه سعيد بن منصور في «التفسير» بسند صحيح». وقد روي معناه موقوفًا من عدة طرق، ينظر: «الدر المنثور» للسيوطي (٣/ ١٩٣، ٧/ ٦١٧).
  4. (٤) «به» ليس في «ح».
  5. (٥) «فهم» ليس في «ح».
  6. (٦) «ب»: «جماله».
208

وَالْأَرْضَ بِالْيَدِ الْأُخْرَى، ثُمَّ يَهُزُّهُنَّ»١. «وَأَنَّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعَ فِي كَفِّهِ تَعَالَى كَخَرْدَلَةٍ فِي كَفِّ أَحَدِكُمْ٢»٣. «وَأَنَّهُ يَضَعُ السَّمَاوَاتِ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْأَرَضِينَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالْجِبَالَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَالشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ، وَسَائِرَ الخَلْقِ عَلَى إِصْبَعٍ»٤. فأيُّ أيدٍ للخلق وأي إصبع تُشبه٥ هذه اليدَ وهذه الإصبعَ حتى يكون إثباتها تشبيهًا وتمثيلًا.

فقاتَلَ اللهُ أصحابَ التحريف والتأويل، وأصحابَ التخييل، وأصحاب التجهيل٦، وأصحاب التشبيه والتمثيل. ماذا حُرِمُوه من الحقائق الإيمانية والمعارف الإلهية، وماذا تعوضوا به من زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار! فما أشبَهَهم بمن كان غذاؤهم المَنَّ والسَّلْوى بلا تعبٍ ولا كُلْفةٍ، فآثَروا عليه الفُومَ٧ والعدس والبصل، وقد جرت عادةُ الله سبحانه أن يُذِلَّ مَن آثَرَ الأدنى على الأعلى، ويجعله عبرةً للعقلاء.

فأوَّلُ هذا الصنف إبليسُ ترَكَ السجود لآدم كِبرًا؛ فابتلاه الله بالقيادة

  1. (١) تقدم تخريجه.
  2. (٢) «ب»: «أحدنا».
  3. (٣) لم نقف عليه مرفوعًا، وهو أثر مشهور موقوف على ابن عباس ﵁، وقد تقدم تخريجه.
  4. (٤) أخرجه البخاري (٧٤١٤) ومسلم (٢٧٨٦) عن عبد الله بن مسعود ﵁.
  5. (٥) «ب»: «يشبه».
  6. (٦) «وأصحاب التجهيل» ليس في «ح».
  7. (٧) «ح»: «الثوم». والفوم: الثُّوم، وفي قراءة عبد الله: «وثُومِها». ويقال: هو الحِنْطة. «الصحاح» (٥/ ٢٠٠٤).
209

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي