الصواعق المرسلة

إنهم لَيقدمونه على كلام الله ورسوله، ويقولون: هو أعلم بالله ورسوله منَّا.

[ق ٢٤ ب] وبهذه الطريق توصَّل الرافضة والباطنية والإسماعيلية والنُّصَيْرية١ إلى تنفيق باطلهم وتأويلاتهم، حتى أضافوها إلى أهل بيت رسول الله ﷺ - لمَّا علموا أن المسلمين متفقون على محبتهم وتعظيمهم وموالاتهم وإجلالهم - فانتموا إليهم٢ وأظهروا من محبتهم وموالاتهم، واللَّهَج بذِكرهم وذِكر مناقبهم، ما خيَّل إلى السامع أنهم أولياؤهم وأَوْلى الناس بهم، ثم٣ نفَّقوا باطلهم وإفكَهم بنسبته إليهم.

فلا إله إلَّا الله، كم مِن زندقةٍ وإلحادٍ وبدعةٍ وضلالةٍ قد نَفَقَت في الوجود بنسبتها إليهم، وهم بَرَاء منها براءة الأنبياء من التجهم والتعطيل، وبراءةَ المسيح من عبادة الصليب والتثليث، وبراءةَ رسول الله ﷺ من البدع والضلالات.

وإذا تأملتَ هذا السبب رأيتَه هو الغالبَ على أكثر النفوس، وليس معهم سوى إحسان الظن بالقائل، بلا برهانٍ من الله، ولا حُجةٍ قادتهم٤ إلى ذلك. وهذا ميراث بالتعصيب من الذين عارضوا دِين الرُّسل بما كان عليه الآباء

  1. (١) «ب»: «البصرية». وهو تصحيف، والنُّصيرية: بضم النون وفتح الصاد المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين بعدها راء مهملة، طائفة من غلاة الشيعة، كانوا يزعمون أن علي بن أبي طالب هو الله، وهؤلاء شر الشيعة. «الأنساب» للسمعاني (١٣/ ١٢١).
  2. (٢) «ح»: «لهم».
  3. (٣) «ثم» ليس في «ح».
  4. (٤) «ح»: «قادهم».
216

والأسلاف، فإنهم لحُسن ظنهم بهم وتعظيمهم لهم آثروا ما١ كانوا عليه على ما جاءتهم به الرُّسل، وكانوا أعظمَ في صدورهم من أن يخالفوهم ويشهدوا عليهم بالكفر والضلال، وأنهم كانوا على الباطل. وهذا شأن كل مقلِّدٍ لمن يعظِّمه فيما خالف فيه الحقَّ إلى يوم القيامة.

فصل

السبب الرابع: أن يكون ذلك٢ التأويل قد قَبِله ورضيه مُبرِّزٌ في صناعةٍ من الصناعات أو علمٍ من العلوم الدقيقة أو الجليلة، فيعلو له بما برز به ذِكرٌ في الناس، ويشتهر له به صيتٌ. فإذا سمع الغُمْرُ الجاهلُ بقبوله لذلك التأويل وتلك البدعة واختياره له أحسنَ الظنَّ به وارتضاه مذهبًا لنفسه، ورضي مَن قَبِله إمامًا له، وقال: إنه لم يكن ليختار - مع جودة قريحته وذكائه وصحة ذهنه ومهارته بصناعته وتبريزه فيها على بني جنسه - إلَّا الأصوب والأفضل من الاعتقادات، والأرشد والأمثل من التأويلات، وأين يقع اختياري مِن اختياره٣، فرضيت لنفسي ما رَضِيَه لنفسه، فإن عقله وذهنه وقريحته إنما تدله٤ على الصواب، كما دلته على ما خَفِيَ عن غيره من صناعته وعلمه.

وهذه الآفة قد هلك٥ بها أُممٌ لا يحصيهم إلَّا الله، رأوا الفلاسفة قد برَّزوا في العلوم الرياضية والطبية، واستنبطوا بعقولهم وجودة قرائحهم

  1. (١) «ح»: «بما».
  2. (٢) «ذلك» ليس في «ب».
  3. (٣) «من اختياره» ليس في «ب».
  4. (٤) «ب»: «يدل».
  5. (٥) «ح»: «تملك». وهو تحريف.
217

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي