وبمكان٢ الاستغراب وقبول النفس لكل غريبٍ لهَجَ الناسُ بالأخبار الغريبة وعجائب المخلوقات والألغاز والأحاجي والصور الغريبة٣، وإن كانت المألوفةُ أعجبَ منها وأحسن وأتمَّ خِلقةً.
فصل
السبب السادس: تقديم مقدمات قبل التأويل تكون٤ كالأطناب والأوتاد لفسطاطه:
فمنها: ذمُّ أصحاب الظواهر وعيبهم والإزراء بهم، وأنهم قومٌ جُهالٌ لا عقول٥ لهم، وإنما هم أصحاب ظواهر سمعية، وينقلون من مثالبهم وبَلَهِهم ما بعضه صدقٌ٦ وأكثره كذبٌ، كما يُحكى أن بعضهم سُئل عن قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾[طه: ٤] هل هو حقيقة أو مجاز؟ قال:
لا حقيقة ولا مجاز. فقال له: جزاك الله عن ظاهريتك خيرًا. وأمثال هذا. ويحكون عنهم إنكار أدلة العقول١، والبحث والنظر وجدال أهل الباطل، والنفوس طالبة للنظر والبحث والتعقل.
ومنها: قولهم: إن الخطاب بالمجاز والاستعارة أعذبُ وأوفق وألطف. وقد قال بعض أئمة النحاة٢: أكثر اللغة مجاز. فإذا كان أكثر اللغة٣ مجازًا سهل على النفوس أنواع التأويلات، فقُلْ ما شئتَ، وأوِّلْ ما شئتَ وانزِلْ عن الحقيقة، ولا يضرك أي مجازٍ ركبتَه.
ومنها: قولهم: إن أدلة القرآن والسُّنَّة أدلةٌ لفظيةٌ، وهي لا تفيد علمًا ولا يقينًا، والعلم إنما يستفاد من أدلة المعقول٤ وقواعد المنطق.
ومنها: قولهم: إذا تعارَضَ العقلُ والنقل قدِّم العقل على النقل.
فهذه المقدمات ونحوها هي أساس التأويل، فإذا انضمت هذه الأسباب بعضها إلى بعضٍ وتقارَنَت٥، فيا محنة القرآن والسُّنَّة، وقد٦ سلكا في قلوبٍ قد تمكنت منها هذه الأسباب، فهنالك التأويل والتحريف والتبديل والإضمار والإجمال.
(١) «ب»: «المعقول».
(٢) بيَّنه المصنف بقوله: «وقد صرح ابن جني أن أكثر اللغة مجاز» كما في «مختصر الصواعق» (٢/ ٧٧١). وكلام ابن جني في «الخصائص» (٢/ ٤٤٧).