الاستواء والفوقية والصفات الخبرية، فنعمل فيها ما عملتم أنتم في تلك النصوص، والقواعد التي حملتكم على تأويلها، عندنا قواعد حملتنا على تأويل هذه الظواهر.
وإذا احتج أهل الجبر على أهل القدر بالنصوص الدالة على أن أعمال١ العباد مخلوقةٌ لله، واقعةٌ بقدرته ومشيئته، تأولوها بنظير ما تأول به خصومهم النصوص الدالة على أنها أفعال للعباد حقيقة، وأنها واقعة بقدرتهم ومشيئتهم، وكذلك خصومهم معهم بهذه المثابة.
وإذا احتجَّ مَن أثبت الرؤية في الآخرة من أهل التأويل على من نفاها قال له: أنا٢ أتأول هذه الظواهر بما تأوَّلتَ به أنت آيات الصِّفات الخبرية وأحاديثها.
وإذا احتجَّ مَن أثبت العلم بجميع المعلومات جزئياتها وكلياتها لله من أهل التأويلات٣ بالنصوص الدالة على ذلك، قال له المنكر: ليست هذه النصوص بأكثرَ من نصوص الفوقية والعلو واستواء الربِّ على عرشه ونزول الأمر من عنده وعروج الملائكة إليه، فإذا كانت تلك مؤولة عندك - على كثرتها وتضافرها - فهذه أولى بقبول التأويل.
فقد بان أنه لا٤ يمكن أهل التأويل أن يُقِيموا على مبطلٍ حُجةً من
(١) «أعمال» سقط من «ح».
(٢) «أنا» ليس في «ح».
(٣) «ب»: «التأويل».
(٤) «لا» سقط من «ب».
كتابٍ ولا سُنةٍ، فحينئذٍ فيترك١ الاستدلال بالكتاب والسُّنَّة على كل مبطِلٍ، ولم يبقَ إلَّا تصادم الآراء ونتائج الأفكار، لا سيما وقد أعطى الجهمي من نفسه أن أكثر اللغة مجازٌ، وأن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، وأن العقل إذا٢ عارَضَ السمعَ وجب تقديم العقل والإعراض عن السمع وإهداره. ثم إما أن يشتغل بتأويله وهي طريقة الخلف العالمين، أو يفوضه ولا يحتج به، وهي طريقة السلف السالمين، فكيف يقوم بعد هذا حُجةٌ من كتابٍ أو سُنةٍ على مبطلٍ من العالمين.
ولهذا كان فتْحُ باب التأويل على النصوص يتضمن عيبها والطعن فيها وعزْلها عن سلطانها، وولاية الآراء الباطلة والشُّبَه الفاسدة.
بل نقول: إنه لا يمكن أرباب التأويل أن يُقِيموا على مبطلٍ حجةً عقليةً أبدًا، وهذا أعجب من الأول. وبيانه: أن الحُجج السمعية مطابقة للمعقول، والسمع الصحيح لا ينفك عن العقل الصريح، بل هما أخوانِ نصيران، وصل الله بينهما، وقرن أحدَهما بصاحبه؛ فقال تعالى٣: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اِللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾[الأحقاف: ٢٥]، فذكر ما ينال به العلوم وهي السمع والبصر والفؤاد الذي هو محل العقل.
(١) «ب»: «فترك».
(٢) «ب»: «إذ».
(٣) من قوله: «فيه وجعلنا لهم سمعا» إلى قوله: «ما ذكرنا من تصرف». في الصفحة بعد التالية سقط من «ح».