الصواعق المرسلة

فنفى سبحانه عن آلهتهم أن تملك مثقالَ ذرةٍ في السماوات والأرض. فقد يقول المشرك: هي شريكةٌ لمالك١ الحق، فنفى شركتها له. فيقول المشرك: قد تكون ظهيرًا ووزيرًا ومعاونين٢، فقال: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ﴾ فلم يبق إلَّا الشفاعة، فنفاها عن آلهتهم، وأخبر أنه لا يشفع عنده أحدٌ إلَّا بإذنه فهو الذي يأذن للشافع. فإن٣ لم يأذن له لم يتقدم بالشفاعة بين يديه، كما يكون في حق٤ المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته، وإن لم يأذن له فيها. وأمَّا مَن كلُّ ما سواه فقيرٌ إليه بذاته، وهو الغني بذاته عن كل ما سواه، فكيف يشفع عنده [ق ٢٦ أ] أحدٌ بدون إذنه.

وكذلك قوله سبحانه مقرِّرًا لبرهان التوحيد أحسن تقرير وأوجزه وأبلغه: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا تَقُولُونَ إِذًا لَّاَبْتَغَوْا إِلَى ذِي اِلْعَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢]. فإن الآلهة التي كانوا يثبتونها معه سبحانه كانوا يعترفون بأنها عبيده ومماليكه ومحتاجةٌ إليه، فلو كانوا آلهةً كما يقولون لعبدوه وتقربوا إليه وحده دون غيره، فكيف يعبدونهم من دونه.

وقد أفصحَ سبحانه بهذا بعينه في قوله: ﴿أُوْلَئِكَ اَلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمِ اِلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧] أي: هؤلاء الذين يعبدونهم مِن دوني هم عبيدي - كما أنتم عبيدي - يرجون

  1. (١) «ب»: «المالك».
  2. (٢) كذا في النسختين، والذي في «م»: «ومعاونًا».
  3. (٣) «ح»: «وإن».
  4. (٤) «ح»: «بأحق».
230

رحمتي، ويخافون عذابي، كما ترجون أنتم رحمتي، وتخافون عذابي، فلماذا تعبدونهم من دوني؟

وقال تعالى: ﴿مَا اَتَّخَذَ اَللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اَللَّهِ عمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩٢]. فتأمَّلْ هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز البيِّن١، فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقًا فاعلًا، يُوصِل إلى عابده النفعَ، ويدفع عنه الضرَّ، فلو كان معه سبحانه إلهٌ لكان له خلقٌ وفعلٌ، وحينئذٍ فلا يرضى بشركة الإله الآخر٢ معه، بل إنْ قَدَر على قهره وتفرُّده بالإلهية دونه فعَلَ٣، وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخَلْقه وذهب به، كما ينفرد ملوك الدنيا عن بعضهم بعضًا بممالكهم٤؛ إذا لم يقدر المنفرد على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد أمورٍ ثلاثة:

إمَّا أن يذهب كل إلهٍ بخَلْقه وسلطانه.

وإمَّا أن يعلو بعضهم على بعضٍ.

وإمَّا أن يكون كلهم تحت٥ قهر إلهٍ واحدٍ وملكٍ واحدٍ، يتصرف فيهم ولا يتصرفون فيه، ويمتنع مِن حُكمهم عليه٦، ولا يمتنعون مِن حُكمه

  1. (١) «البين» ليس في «ح».
  2. (٢) «ح»: «الآمر».
  3. (٣) «ح»: «فعلي».
  4. (٤) «ح»: «بمماليكهم».
  5. (٥) «تحت» ليس في «ح».
  6. (٦) «عليه» ليس في «ح».
231

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي