الصواعق المرسلة

به عليها ليتبين١ له حقيقة الحال، فهذا هو الحِجاج الجليل والإنصاف البيِّن والنصح التام.

وقال سبحانه في تثبيت أمر البعث [ق ٢٧ أ]: ﴿* وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ ٧٧ قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٨] إلى آخر السورة. فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان أن يأتي بأحسن من هذه الحُجة أو بمثلها، في ألفاظ تشابه٢ هذه الألفاظ في الإيجاز والاختصار ووضوح الدلالة وصحة البرهان، لَألفى نفسه ظاهر العجز منقطعَ الطمع مستحكم اليأس٣ من ذلك.

فإنه سبحانه افتتح هذه الحُجة بسؤال أورده الملحد اقتضى جوابًا، فكان في قوله سبحانه: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ما وفَّى بالجواب، وأقام الحُجة، وأزال الشُّبهة، لولا ما أراد سبحانه من تأكيد٤ حُجته وزيادة تقريرها، وذلك أنه سبحانه أخبر أن هذا الملحد السائل عن هذه المسألة لو لم ينسَ خَلْق نفسه وبدْء كونه٥ وذِكْر خَلْقه لكانت فكرته فيه كافية في جوابه، مُسكِتة له عن هذا السؤال.

ثم أوضح سبحانه ما تضمنه قوله: ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾، وصرَّح به جوابًا له عن مسألته، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا اَلَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٨]. فاحتج بالإبداء على الإعادة، وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى، إذ كل عاقلٍ يعلم

  1. (١) «ح»: «لتبين».
  2. (٢) «ح»: «مشابه».
  3. (٣) في النسختين: «يستحكم الناس». والمثبت هو الصواب إن شاء الله.
  4. (٤) «ح»: «تأكيده».
  5. (٥) «ح»: «وتذاكر به».
238

علمًا ضروريًّا أن مَن قدر على هذه قدر على هذه، وأنه١ لو كان عاجزًا عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز.

ولما كان الخَلْق يستلزم قدرة الخالق على مخلوقه وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَهْوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨]، فهو عليم بالخلق الأول وتفاصيله وجزئياته ومواده وصورته وعلله الأربع، وكذلك هو عليم بالخلق الثاني وتفاصيله ومواده وكيفية إنشائه. فإذا كان تامَّ العلم كاملَ القدرة، فكيف٢ يتعذر عليه أن يُحْيي العظام وهي رميمٌ.

ثم أكَّد الأمر بحُجةٍ قاهرةٍ وبرهانٍ ظاهرٍ يتضمن جوابًا عن سؤال ملحدٍ آخر يقول: العظام إذا صارت رميمًا عادت طبيعتها باردةً يابسة، والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعةً حارة رطبة لتقبل صورة الحياة. فتولَّى سبحانه جواب هذا السؤال٣ بما يدل على أمر البعث؛ ففيه الدليل والجواب معًا، فقال: ﴿اِلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ اَلشَّجَرِ اِلْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس: ٧٩]، فأخبر سبحانه بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة. فالذي يخرج الشيء من ضدِّه، وتنقاد٤ له مواد المخلوقات وعناصرها، ولا تستعصي٥ عليه، هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه مِن إحياء

  1. (١) «وأنه» سقط من «ح».
  2. (٢) «ح»: «كيف».
  3. (٣) من قوله: «رطبة لتقبل» إلى هنا سقط من «ح».
  4. (٤) «ح»: «ينقاد».
  5. (٥) «ح»: «يستعصي».
239

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي