الصواعق المرسلة

أولًا: ﴿أَاذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَانَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾، فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالقَ لكم ولا ربَّ فهلا كنتم خَلْقًا لا يفنيه الموت كالحجارة والحديد، أو١ ما هو أكبر في صدوركم من ذلك. فإن قلتم: لنا ربٌّ خالقٌ خلقنا على هذه الصفة، وأنشأنا هذه النشأة التي لا تقبل البقاء، ولم يجعلنا حجارة [ق ٢٧ ب] ولا حديدًا = فقد قامت عليكم الحُجة بإقراركم، فما الذي يحول بين خالقكم ومُنشِئكم وبين إعادتكم خلقًا جديدًا.

وللحُجة تقرير آخر وهو: أنكم لو كنتم من حجارةٍ أو حديدٍ أو خلقٍ أكبر منهما لكان قادرًا على أن يُفنِيكم، ويُحِيل ذواتكم وينقلها من حالٍ إلى حالٍ. ومَن قَدَر على التصرف في هذه الأجسام مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة ونقْلِها من حالٍ إلى حالٍ، فما يُعجِزه عن التصرف فيما هو دونها بإفنائه وإحالته ونقله من حالٍ إلى حالٍ؟

فأخبر سبحانه أنهم يسألون سؤالًا آخر بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت أجسامنا وفَنِيَت؟ فأجابهم بقوله: ﴿قُلِ اِلَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١]. وهذا الجواب نظير جواب قول السائل: ﴿مَن يُحْيِ اِلْعِظَامَ وَهْيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧]. فلمَّا أخذتهم الحُجة، ولزمهم حُكمُها، ولم يجدوا عنها معدلًا = انتقلوا إلى سؤالٍ آخر يتعللون به كما يتعلل المقطوع بالحِجاج بمثل ذلك، وهو قولهم: ﴿مَتَى هُوَ﴾.فأجيبوا بقوله: ﴿عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا ٥١ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثتُّمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٥١ - ٥٢].

  1. (١) «ح»: «و».
242

ومن هذا قوله سبحانه: ﴿أَيَحْسِبُ اُلْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى ٣٥ أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ تُمْنَى ٣٦ ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى ٣٧ فَجَعَلَ مِنْهُ اُلزَّوْجَيْنِ اِلذَّكَرَ وَاَلْأُنثى ٣٨ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ اَلْمَوْتى﴾ [القيامة: ٣٥ - ٣٩]. فاحتج سبحانه على أنه لا يترك الإنسانَ مهملًا معطلًا عن الأمر والنهي والثواب والعقاب، وأن حِكمته وقدرته تأبى ذلك. فإن مَن نقَلَه من نطفة منيٍّ إلى العَلَقة، ثم إلى المُضْغة، ثم خَلَقه وشقَّ سمعَه وبصرَه، وركَّب فيه الحواسَّ والقُوى والعظام والمنافع، والأعصاب والرباطات التي هي أَسْرُه١، وأتقن خلقَه وأحكمه غاية الإحكام، وأخرجه على هذا الشكل والصورة التي هي أتمُّ الصور وأحسن الأشكال، كيف يَعجِز عن إعادته وإنشائه مرةً ثانيةً؟! أم كيف تقتضي حكمته وعنايته به أن يتركه سُدًى؟! فلا يليق ذلك بحكمته، ولا تعجز عنه قدرته.

فانظر إلى هذا الحِجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجزُ منه، والبيان الجليل الذي لا يُتوهم أوضح منه، ومأخذه القريب٢ الذي لا تقع الظنون على أقرب منه.

وكذلك ما احتجَّ به سبحانه على النصارى مُبطِلًا لدعوى إلهية المسيح كقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاَتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٧]، فأخبر أن هذا الذي أضافه مَن نسَبَ الولدَ إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغٍ في العقول إذا تأمله المتأمل. ولو أراد الله أن يفعل هذا

  1. (١) الأَسْر الشد بالإسار، والعصب كالإسار، وقد أَسَرْتُه أسرًا وإسارًا، والأسر في كلام العرب: شدة الخلق. «تاج العروس» (١٠/ ٤٨).
  2. (٢) «ح»: «أقرب».
243

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي