الصواعق المرسلة

علمتم أن من كانت هذه حاله في اعتقاده أمرًا من الأمور عن بصيرةٍ لا يعارضه فيها ريبٌ ولا يتخالجه فيها شكٌّ؛ فلا سبيل إلى استنزاله عنها١.

وأيضًا فإن المُحاجَّة والمجادلة بعد وضوح الشيء وظهوره نوعٌ من العبث، بمنزلة المُحاجة٢ في طلوع الشمس وقد رآها مَن تحاجُّونه بعينه، فكيف يؤثر حجاجكم له أنها لم٣ تطلع بعد؟!

ثم قال: ولا أخاف ما أشركتم إلَّا أن يشاء ربي شيئًا. فكأنه - صلوات الله وسلامه عليه - يذكر أنهم خوَّفوه آلهتهم أن يناله منها معرَّةٌ، كما قاله قوم هود له: ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا اَعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤] فقال إبراهيم: إن أصابني مكروهٌ، فليس ذلك من قبل هذه الأصنام التي عبدتموها من دون الله، وهي أقلُّ من ذلك، فإنها ليست ممَّا يُرجى ويُخاف، بل يكون ذلك الذي أصابني من قبل الحي الفعَّال الذي يفعل ما يشاء، الذي بيده الضر والنفع، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

ثم ذكر سَعة علمه سبحانه في هذا المقام منبهًا على موقع احترازٍ لطيفٍ، وهو أن لله سبحانه علمًا فيَّ وفيكم وفي هذه الآلهة لا يصل إليه علمي. فإذا شاء أمرًا من الأمور فهو أعلم بما يشاء٤، فإنه وسع كل شيءٍ علمًا، فإن أراد أن يصيبني بمكروهٍ لا علم لي من أي جهةٍ أتاني؛ فعلمه محيطٌ بما لم أعلمه. وهذا غاية التفويض والتبرِّي من الحول والقوة وأسباب النجاة، وأنها بيد الله لا بيدي.

  1. (١) «ح»: «فيها».
  2. (٢) «ح»: «الحاجة».
  3. (٣) «لم» سقط من «ح».
  4. (٤) «ب»: «يشاؤه».
247

وهكذا قال شعيب لقومه: ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنَا عَلَى اَللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اَللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اَللَّهِ تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: ٨٨]، فردَّت الرُّسل العلم بما يفعله الله إليه، وأنه إذا شاء شيئًا فهو أعلم بما يشاؤه، ولا علم لنا بامتناعه وعدم كونه.

ثم رجع الخليل إليهم مُقرِّرًا للحُجة فقال: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنزِلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ اُلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].

يقول لقومه: كيف يسوغ في عقلٍ أو عند ذي لبٍّ أن أخاف ما جعلتموه لله شريكًا في الإلهية، وهي ليست بموضع نفعٍ ولا ضرٍّ، وأنتم لا تخافون أنكم أشركتم بالله في إلهيته أشياء لم ينزل بها حُجة عليكم، ولا شرعها لكم. فالذي أشرك بخالقه وفاطره وبارئه - الذي يُقرُّ بأنه خالق السماوات والأرض، وربُّ كل شيءٍ ومليكه، ومالك الضر والنفع= آلهةً لا تخلق شيئًا وهي مخلوقةٌ، ولا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا؛ وجعلها ندًّا له١، ومثلًا في الإلهية تُعبَد ويُسجَد لها ويُخضَع لها ويُتقرَّب إليها= أحقُّ بالخوف ممَّن لم يجعل مع الله إلهًا آخر، بل وحَّده وأفرَده بالإلهية والربوبية والعظمة والسلطان والحب والخوف والرجاء. فأي الفريقين أحقُّ بالأمن إن كنتم تعلمون؟!

فحكَمَ الله سبحانه بينهما بأحسن حكمٍ خضعت له القلوب، وأقرت به

  1. (١) «له» ليس في «ب».
248

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي