يريده بلفظ أخفى من لفظه الصريح، كما كنَّى الله سبحانه عن الجماع بالدخول وبالمَسِّ واللمس والإفضاء، وكما يُكنى عن الفرج بالهَنِ، ونحو ذلك.
وأمَّا التعريض فإيهام١ السامع معنًى ومرادُه٢ خلافه، كالتعريض بالقذف مثلًا. فإذا قال: ما أنا بزانٍ أوهَمَ٣ السامع نفي الزِّنا عن نفسه، ومراده إثباته للسامع، قال الحماسي٤:
وأمَّا السببان اللذان من السامع، فأحدهما: سوءُ الفهم١.
فإن درجات الفهم متفاوتة في الناس أعظم تفاوتٍ، فإنَّ قُوى الأذهان كقوى الأبدان، والناس متفاوتون في هذا وهذا تفاوُتًا لا ينضبط.
وقد سُئل علي بن أبي طالب ﵁: هل خصَّكم رسولُ الله ﷺ بشيءٍ دون الناس فقال: «لا، والذي فلَقَ الحبَّةَ وبرَأَ النسَمَةَ إلَّا٢ فَهْمًا يؤتيه اللهُ عبدًا في كتابِه، وما في هذه الصحيفةِ. وكان فيها العقل - أي: الدِّيَات - وفَكاكُ الأسيرِ»٣.
وكان أبو بكر الصدِّيق أفهمَ الأُمة لكلام الله ورسوله. ولهذا لما أشكَل على عمر - مع قوة فَهْمه - قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرَامَ إِن شَاءَ اَللَّهُ آمِنِينَ﴾[الفتح: ٢٧]، وقول النبي ﷺ للصحابة: «إِنَّكُمْ تَأْتُونَهُ وَتَتَطَوَّفُونَ بِهِ٤»، فأورده عليه عامَ الحديبية، فقال له الصدِّيق: أقال لك إنك تأتيه العامَ؟ قال: لا، قال: فإنك آتِيهِ ومُطوِّفٌ٥ به. فأجابه بجواب النبي ﷺ٦.
(١) لم يُفرِد المصنِّف ﵀ الكلام على السبب الثاني، وهو سوء القصد، إنما أشار إليه إشارة.
(٢) «إلا» سقط من «ح».
(٣) أخرجه البخاري (٣٠٤٧) ومسلم (٧٨).
(٤) «ح»: «وتطوفونه».
(٥) «ح»: «تأتيه وتطوف».
(٦) أخرجه البخاري في «الصحيح» (٢٧٣١) عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبية الطويل.