الصواعق المرسلة

ولا شك أن الصحابة ﵃ كانوا بالمدينة حوله صلوات الله وسلامه عليه مجتمعين، وكانوا ذوي معايش يطلبونها، وفي ضنكٍ من القوت، فمن محترفٍ في الأسواق، ومن قائمٍ على نَخْله، ويَحضُره١ ﷺ في كل وقتٍ منهم طائفةٌ إذا وجدوا أدنى فراغ ممَّا هم بسبيله. وقد نصَّ على ذلك أبو هريرة فقال: «إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصَّفْق بالأسواق٢، وإن إخواني من الأنصار كان يشغلهم القيام على نخلهم٣، وكنت امرأً مسكينًا أَصحَبُ رسول الله ﷺ على مِلْء بطني»٤.

وقد قال عمر ﵁: «ألهاني الصفق بالأسواق» في حديث استئذان أبي موسى٥.

وكان ﷺ يُسأل عن المسألة ويحكم بالحكم، ويأمر بالشيء ويفعل الشيء، فيحفظه٦ من حضره، ويغيب عمَّن غاب عنه.

فلمَّا مات صلوات الله وسلامه عليه ووليَ أبو بكر كان إذا جاءته القضية ليس عنده فيها نصٌّ سأل من بحضرته من الصحابة عنها، فإن وَجد عندهم٧ نصًّا رجع إليه، وإلَّا اجتهد في الحكم فيها. وكان اجتهاده واجتهاد

  1. (١) «ح»: «وبحضرته».
  2. (٢) الصفق بالأسواق: التصرف في التجارة. «مشارق الأنوار» (٢/ ٥٠).
  3. (٣) «ح»: «عملهم».
  4. (٤) أخرجه البخاري (١١٨) ومسلم (٢٤٩٢).
  5. (٥) أخرجه البخاري (٢٠٦٢) ومسلم (٢١٥٣).
  6. (٦) في النسختين: «فيحضره». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
  7. (٧) في النسختين: «عنهم». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
273

غيره منهم ﵃ رجوعهم إلى نصٍّ عامٍّ، أو إلى أصل إباحة متقدِّمة، أو إلى نوعٍ من هذا يرجع إلى أصل. ولا يجوز أن يظن أحدٌ أن اجتهاد أحدٍ منهم هو أن يُشَرِّع شريعة باجتهادٍ ما، أو يَختَرِع حُكمًا لا أصل له، حاشاهم من ذلك.

فلمَّا وليَ عمر ﵁ فُتحت الأمصار، وتفرَّقت الصحابة في الأقطار، فكانت الحكومة تنزل بمكة أو بغيرها من البلاد، فإن كان عند الصحابة الحاضرين لها نصٌّ حُكِمَ به، وإلَّا اجتهدوا في ذلك، وقد يكون في تلك القضية نصٌّ موجودٌ عند صاحبٍ آخر في بلدٍ آخر.

وقد حضر المدني ما لم يحضر المصري، وحضر المصري ما لم يحضر الشامي، وحضر الشامي ما لم يحضر البصري، والبصري ما لم يحضر الكوفي، والكوفي ما لم يحضر البصري، والمدني ما لم يحضر الكوفي والبصري، كل هذا موجودٌ في الآثار، وتقتضيه الحالة التي ذَكَرْنا من مَغِيب بعضهم عن مجلسه١ في بعض الأوقات، وحضور غيره، ثم مغيب٢ الذي حضر وحضور الذي غاب، فيدري كل واحدٍ منهم ما حضره، ويفوته ما غاب عنه، هذا أمرٌ مُشاهَدٌ.

وقد كان عِلْمُ التيمم عند عمار وغيره، وغاب عن عمر وابن مسعود حتى قالا: «لا يتيمم الجُنُب، ولو لم يجد الماء شهرين»٣.

  1. (١) «ح»: «محله».
  2. (٢) في النسختين: «يغيب». والمثبت من «الجمع بين الصحيحين».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨). وذِكْرُ الشهرين ورد في رواية أحمد (١٩٣٩٥) وأبي داود (٣٢٢) والنسائي (٣١٦) وابن حبان (١٣٠٥).
274

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي