وعلى هذه الطريقة كان الصحابة ﵃ وكثيرٌ من التابعين يرحلون في طلب الحديث الأيام الكثيرة طلبًا للسُّنن، والتزامًا لها.
وقد رحل أبو أيوب من المدينة إلى مصر في حديثٍ واحدٍ إلى عقبة بن عامر١، ورحل علقمة والأسود إلى عائشة وابن٢ عمر٣، ورحل علقمة إلى أبي الدرداء بالشام٤، وكتب معاوية إلى المغيرة بن شعبة٥: اكتب إليَّ بما٦ سمعته من رسول الله ﷺ٧. ومثل هذا كثير». انتهى كلامه.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية٨: جماع الأعذار في ترك من ترك من الأئمة حديثًا ثلاثة أصناف:
أحدها: عدم اعتقاده أن النبي ﷺ قاله.
الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.
الثالث: اعتقاده٩ أن ذلك الحكم منسوخ.
(١) أخرجه الإمام أحمد في «المسند» (١٧٨٥٥) وعبد الرزاق في «المصنف» (١٨٩٣٦) والحميدي في «المسند» (٣٨٨).
(٢) «ابن» ليس في «ب».
(٣) لم نقف عليه.
(٤) أخرجه البخاري (٣٧٤٢) ومسلم (٨٢٤).
(٥) «بن شعبة» ليس في «ح».
(٦) «ح»: «مما».
(٧) أخرجه البخاري (١٤٧٧) ومسلم (٥٩٣).
(٨) «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» (ص ٩) وما بعدها.
(٩) «ب»: «عدم اعتقاده».
وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع إلى أسباب متعددة:
السبب الأول: ألَّا يكون الحديث قد بلغه، ومن لم يبلغه الحديث لم يُكلَّف أن يكون عالمًا بموجَبه، فإذا لم يبلغه وقد قال في تلك النازلة بموجب ظاهر آية أو حديث آخر، أو بموجب قياس أو استصحاب، فقد يوافق الحديث المتروك تارةً، ويخالفه أخرى. وهذا السبب هو الغالب على أكثر ما يوجد من أقوال السلف مخالفًا لبعض الأحاديث، فإن الإحاطة بحديث رسول الله ﷺ لم تكن لأحدٍ من الأئمة. واعتبر ذلك بالخلفاء الراشدين الذين١ هم أعلم الأمة بأمور رسول الله ﷺ وسُننه وأحواله، خصوصًا٢ الصدِّيق الذي لم يكن يفارقه حَضَرًا ولا سفرًا٣، وكان عنده غالب الأوقات حتى كان يَسمُر عنده بالليل، وكان ﷺ كثيرًا ما يقول: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَذَهَبْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ٤»٥.
ثم مع ذلك الاختصاص خفي عن أبي بكر ميراث الجدة، وكان عِلْمُه عند المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة٦ وعمران بن حصين٧، وليس
(١) «الذين» ليس في «ح».
(٢) «ب»: «وخصوصا».
(٣) «ح»: «لا سفرًا ولا حضرًا».
(٤) «وعمر» سقط من «ب».
(٥) أخرجه البخاري (٣٦٨٥) ومسلم (٢٣٨٩) عن علي ﵁.
(٦) أخرجه أحمد (١٨٤٦٥) وأبو داود (٢٨٩٤) والترمذي (٢١٠٠، ٢١٠١) وابن ماجه (٢٧٢٤) وابن حبان (٦٠٣١) والحاكم (٤/ ٣٧٦). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح».
(٧) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٣١٩٥٢) والدارمي في «السنن» (٢٩٨٠) والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦/ ٢٢٦) عن عمران أنه كان يورث الجدة وابنها حي. وصححها البيهقي عنه.