وأيضًا فكثيرٌ من١ الحجازيين لا يحتجُّ بحديث عراقيٍّ ولا شاميٍّ إن لم يكن له أصل بالحجاز، حتى قال بعض من يذهب هذا المذهب: «نزِّلوا أحاديث أهل العراق منزلة أحاديث أهل الكتاب، لا تصدقوهم، ولا تكذبوهم»٢.
وقيل لبعض من كان يذهب إلى هذا المذهب: سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله حجة؟ قال: إن لم يكن له أصلٌ بالحجاز فلا٣.
وكان الشافعي يرى هذا المذهب أولًا، ثم رجع عنه، وقال للإمام أحمد: «يا أبا عبد الله إذا صح الحديث فأَعْلِمْني حتى أذهب إليه، شاميًّا كان أو عراقيًّا»٤. ولم يقل: أو حجازيًّا؛ لأنه لم يكن يشك هو ولا غيره في أحاديث٥ أهل الحجاز.
(١) «من» سقط من «ح».
(٢) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (٢١٦٥، ٢١٦٦) عن الإمام مالك ﵀. وينظر «سير أعلام النبلاء» للذهبي (٨/ ٦٨) و«إكمال تهذيب الكمال» لمغلطاي (٤/ ٣٥٦).
(٣) عزا هذا الكلامَ للإمام الشافعي شيخُ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤٩) والزركشي في «النكت على مقدمة ابن الصلاح» (١/ ١٥٢). وأخرج ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ١٥٣) عنه: «إذا جاوز الحديث الحرمين، فقد ضعف نخاعه». وينظر «تدريب الراوي» (١/ ٨٩).
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في «آداب الشافعي ومناقبه» (ص ٧٠) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ١٧٠).
(٥) «أحاديث» ليس في «ح».
وأكثر أهل العلم على خلاف هذا المذهب، وأن الحديث إذا صحَّ وجب العمل به من أي مِصْرٍ من الأمصار كان مَخرَجُه، وعلى هذا إجماع أهل الحديث قاطبة.
فصل
السبب الرابع: اشتراط بعضهم في خبر الواحد العدل شروطًا يخالفه فيها غيره، كاشتراط بعضهم أن يكون الراوي فقيهًا إذا خالف ما رواه القياس، واشتراط بعضهم انتشار الحديث وظهوره إذا كان ممَّا تعُمُّ به البلوى، واشتراط بعضهم ألَّا يكون الحديث قد تضمن زيادة على نصِّ القرآن؛ لئلَّا يلزم منه١ نسخ القرآن به. وهذه مسائل معروفة.
فصل
السبب الخامس: أن ينسى الحديث أو الآية كما نسي عمر قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[الزمر: ٢٩]، ونسي قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنطَارًا﴾[النساء: ٢٠]، ونسي فتوى النبي ﷺ له ولعمار بالتيمم للجنابة في السفر٢.
وكذلك ما رُوي أن عليًّا ذَكَّرَ الزبيرَ يوم الجمل شيئًا عَهِدَه إليهما
رسول الله ﷺ، فذَكَّرَه فانصرف عن القتال٣.
(١) «ح»: «فيه».
(٢) أخرجه البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨).
(٣) روى عبد الرزاق في «المصنف» (٢٠٤٣٠) وابن أبي شيبة في «المصنف» (٣٨٩٨٢) والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٣٦٦) «أن عليًّا ذكَّر الزبير بقول النبي ﷺ له: «لتقاتلنه وأنت ظالم له». وصححه الحاكم، وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٣/ ٥٤٨): «ولا يُروى هذا المتن من وجه يثبت».