قلت: هذا تفسير كثير من الحجازيين، ومنهم من فسَّره بالغضب، وهو تفسير العراقيين، ونصَّ عليه أحمد٤ وأبو عبيد٥ وأبو داود٦.
ومنهم من فسَّره بجمع الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ، فإنه٧ مأخوذ من غلق
(١) بيع الحصاة: هو أن يقول البائع أو المشتري: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع. وقيل: هو أن يقول: بعتك من السلع ما تقع عليه حصاتك إذا رميت بها، أو بعتك من الأرض إلى حيث تنتهي حصاتك. «النهاية في غريب الحديث» (١/ ٣٩٨).
(٢) الغرر: ما كان له ظاهرٌ يغر المشتري وباطن مجهول .. وقال الأزهري: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، من كل مجهول. «النهاية في غريب الحديث» (٣/ ٣٥٥).
(٣) أخرجه أحمد (٢٧٠٠٢) وأبو داود (٢١٩٣) وابن ماجه (٢٠٤٦) والحاكم (٢/ ١٩٨) عن عائشة ﵂، وقال الحاكم: «حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه». وتعقبه الذهبي، وينظر «تنقيح التحقيق» (٤/ ٤٠٧) و«البدر المنير» (٨/ ٨٤) و«إرواء الغليل» (٢٠٤٧).
(٤) قال في «الفروع» (٩/ ١١): «قال في رواية حنبل: يريد الغضب».
(٥) نقله ابن بطال في «شرح البخاري» (٧/ ٤١١).
(٦) قال في «السنن» (٢١٩٣): «الغلاق أظنه في الغضب».
(٧) «ب»: «كأنه».
الباب، أي: أُغلِق عليه باب الطلاق جملةً١. وصحَّح بعضهم هذا التفسير، وجعله أولى التفاسير٢.
وممَّن حكى الأقوالَ الثلاثة صاحبُ «مطالع الأنوار»٣، وصاحبُ «مشارق الأنوار»٤.
وهذا الباب يعرض منه اختلافٌ كثيرٌ، سببه أن يكون لذلك اللفظ في لغته وعُرْفه معنًى غير معناه في لغة الرسول ﷺ، أو أعم منه أو أخص. فتَفَطَّنْ لهذا الموضع فإنه مَنشأ لغلطٍ كثيرٍ على صاحب الشرع.
والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يُغلِق على صاحبه باب تصوُّره أو قصده، كالجنون والسُّكر والإكراه والغضب، كأنه لم٥ ينفتح قلبُه لقصده، ولا وَطَرَ له فيه٦.
ومن هذا لفظ الخمر، فإنه في لغة الشارع اسم لكل مُسكِرٍ لا يختص بنوعٍ من أنواعه. وهذا المعنى مطابق٧ لاشتقاقه، فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة دون بعض اصطلاحٌ حادثٌ [ق ٣٣ أ] حصل بحَمْل كلام الشارع
(١) حكاه أبو عبيد الهروي في «الغريبين» (٤/ ١٣٨٤) ولم يُسم قائله.