الباب، أي: أُغلِق عليه باب الطلاق جملةً١. وصحَّح بعضهم هذا التفسير، وجعله أولى التفاسير٢.
وممَّن حكى الأقوالَ الثلاثة صاحبُ «مطالع الأنوار»٣، وصاحبُ «مشارق الأنوار»٤.
وهذا الباب يعرض منه اختلافٌ كثيرٌ، سببه أن يكون لذلك اللفظ في لغته وعُرْفه معنًى غير معناه في لغة الرسول ﷺ، أو أعم منه أو أخص. فتَفَطَّنْ لهذا الموضع فإنه مَنشأ لغلطٍ كثيرٍ على صاحب الشرع.
والصواب في لفظ الإغلاق أنه الذي يُغلِق على صاحبه باب تصوُّره أو قصده، كالجنون والسُّكر والإكراه والغضب، كأنه لم٥ ينفتح قلبُه لقصده، ولا وَطَرَ له فيه٦.
ومن هذا لفظ الخمر، فإنه في لغة الشارع اسم لكل مُسكِرٍ لا يختص بنوعٍ من أنواعه. وهذا المعنى مطابق٧ لاشتقاقه، فتخصيصه ببعض الأنواع المسكرة دون بعض اصطلاحٌ حادثٌ [ق ٣٣ أ] حصل بحَمْل كلام الشارع
(١) حكاه أبو عبيد الهروي في «الغريبين» (٤/ ١٣٨٤) ولم يُسم قائله.
عليه تخصيص لِمَا قَصَدَ الشارعُ تعميمَه. ولهذا لم يختلف المخاطَبون بالقرآن أولًا - وهم الصحابة - في تحريم ذلك كله١.
فصل
ومن هذا الخلاف العارض من جهة كون اللفظ مشتركًا أو مجملًا أو مترددًا بين حمله على معناه عند الإطلاق - وهو المسمَّى بالحقيقة - أو على معناه عند التقييد - وهو المسمَّى بالمجاز - كاختلافهم في المراد من القُرْء هل هو الحيض أو الأطهار، ففَهِمَتْ طائفةٌ منه الحيضَ، وأخرى الطُّهْرَ٢.
وكما فهمت طائفةٌ من الخيط الأبيض والأسود الخيطين المعروفين، وفَهِمَ غيرهم بياضَ النهار وسوادَ الليل٣.
وكما فهمت طائفةٌ من قوله في التيمم: ﴿فَاَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم
(١) «كله» ليس في «ب».
(٢) اختلف العلماء في الأقراء، فقال أهل الكوفة: هي الحيض. وهو قول عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى ومجاهد وقتادة والضحاك وعكرمة والسدي. وقال أهل الحجاز: هي الأطهار. وهو قول عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت والزهري وأبان بن عثمان والشافعي. ينظر: «تفسير الطبري» (٤/ ٨٧ - ١٠٥) و«التفسير البسيط» للواحدي (٤/ ٢٠٩ - ٢١٦) و«تفسير القرطبي» (٣/ ١١٣ - ١١٧).
(٣) أخرج البخاري (١٩١٧) ومسلم (١٠٩١) عن سهل بن سعد ﵁ قال: «أُنزلت: ﴿وَكُلُوا وَاَشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل: ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾. فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ اَلْفَجْرِ﴾، فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار».