وكما فَهِمَ من أباح نكاح التحليل ذلك من قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾[البقرة: ٢٢٨] وفهم المُحرِّمون المُبطِلون له بطلانه من نفس الآية من عدة أوجه:
منها: قوله: ﴿حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ ونكاح التحليل١ لا يدخل في النكاح المُطلَق، كما لم يدخل فيه نكاح الشغار والمتعة، ونكاح المعتدة، ونكاح المحرمة، فإن الذي أخرج هذه الأنواع من النكاح المُطلَق المأذون فيه هو الذي أخرج نكاح التحليل منه بنصوص أكثر وأصرح من تلك النصوص.
ومنها: تسميته سبحانه لهذا الثاني زوجًا. وأحكام الزوج عرفًا وشرعًا منتفية عن المحلِّل، وانتفاء الأحكام مستلزم لانتفاء الاسم شرعًا وعرفًا، وكذلك هو، فإن أهل العُرْف لا يُسمُّونه زوجًا، والشارع إنما سمَّاه «تيسًا مستعارًا»٢. فلا يجوز تسميته زوجًا إلَّا على وجه التقييد، بأن يقال: زوج ملعون، أو زوج في نكاح تحليل، أو في نكاح باطل.
(١) «ب»: «المحلل».
(٢) أخرجه ابن ماجه (١٩٣٦) والطبراني في «المعجم الكبير» (١٧/ ٢٩٩) والدارقطني في «السنن» (٣/ ٢٥١) والحاكم في «المستدرك» (٢/ ١٩٨) عن عقبة بن عامر ﵁. وحسَّن إسناده عبدُ الحق الإشبيلي في «الأحكام الوسطى» (٣/ ١٥٦) وقد رد المصنف في «أعلام الموقعين» (٤/ ٤١٧ - ٤١٩) على من ضعَّفه، وينظر: «بيان الوهم» لابن القطان (٣/ ٥٠٤٠) و«نصب الراية» للزيلعي (٣/ ٢٣٩).
ومنها: أنه جعل الزوج الثاني وطلاقه بمنزلة الزوج الأول وطلاقه، فالمفهوم منها واحد١.
وغير ذلك من الوجوه التي أَفهَمَتْ منها الآية بطلانَ نكاح المحلِّل، وهي عشرة، قد ذكرناها في موضع آخر٢، ولا ريب أن فَهْمَ هؤلاء أولى بالصواب.
ومن هذا فَهْم بعضهم إباحة العِينَة من قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ حَاضِرَةٌ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾[البقرة: ٢٨١] وفَهِمَ آخرون منها تحريمها وبطلانها؛ فإن لفظ التجارة: البيع المقصود الذي يَقصِد به كلُّ واحدٍ من المتعاقدينِ الربحَ أو٣ الانتفاع، ولا يَعرِف أهل اللغة والعُرْفِ من لفظ التجارة إلَّا ذلك، ولا يَعُدُّ أحدٌ منهم قط الحيلة على الربا تجارةً، وإن كان المرابي يَعُدُّ ذلك تجارةً، كما٤ يَعُدُّ بيع الدرهم بالدرهمين، فالعِينَة لا تُعَدُّ تجارةً لغة ولا شرعًا ولا عُرْفًا٥.
وكما فَهِمَ مَن فهم من قوله تعالى: ﴿اَلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾[النور: ٣] أنه العقد٦، .....................................................