يَسبِقِ الشافعيَّ إلى نجاسة الأبوال أحدٌ». يريد بول ما يُؤكل لحمُه.
وقال شيخنا١: «لم يَسبِق أحمدَ بن حنبل٢ إلى الحكم بإسلام أولاد أهل٣ الذمة الصغار بموت آبائهم أحدٌ٤. ولم يسبقه إلى إقعاد المرأة أوَّلَ ما ترى الدم يومًا وليلةً ثم تُصلِّي وهي ترى الدم أحدٌ٥.
وأمَّا غيره فمَن له أدنى اطلاع على أقوال السلف والخلف لا يخفى عليه
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، ووجدت ابن تيمية يقول في «درء تعارض العقل والنقل» (٨/ ٤٣٣ - ٤٣٤): «فعن أحمد رواية أنه يحكم بإسلامه، لقوله: «فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه». فإذا مات أبواه بقى على الفطرة. والرواية الأخرى كقول الجمهور: إنه لا يحكم بإسلامه. وهذا القول هو الصواب، بل هو إجماع قديم من السلف والخلف، بل هو ثابت بالسُّنة التي لا ريب فيها».
(٢) «بن حنبل» ليس في «ح».
(٣) «أهل». سقط من «ح».
(٤) قال المصنِّف في «أحكام أهل الذمة» (٢/ ٨٩٦): «وهذا قولٌ في مذهب أحمد، اختاره بعض أصحابه، وهو معلوم الفساد».
(٥) قال المرداوي في «الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف» (١/ ٣٦٠): «هذا المذهب بلا ريب، نصَّ عليه في رواية عبد الله وصالح والمروذي». ثم قال: «وجلوسها يومًا وليلةً قبل انقطاعه من مفردات المذهب». وينظر «شرح العمدة» لشيخ الإسلام ابن تيمية (١/ ٥٥٨ - ٥٦١).
ذلك، ولكثرته تركنا ذِكْرَه.
الوجه الحادي عشر: أنَّا لو لم نعلم النزاع في هذه المسألة لم يكن لنا عِلْمٌ بالإجماع المعلوم الذي تكون مخالفته كفرًا أو فسقًا عليها بل ولا ظَنٌّ به، فإنا قد رأينا أكثر هؤلاء الذين يحكون الإجماع إنما يحكونه على حَسَب اطلاعهم، ومعناه عدم العلم بالمخالف، وقد رأيتَ مِن نَقْضِ إجماعاتهم التي حكوها ما هو قليلٌ من كثيرٍ.
فغاية هذه الإجماعات أن تفيدنا عدم علم ناقلها بالخلاف، وهذا بمجرده لا يكون عذرًا للمجتهد في ترك موجَب الدليل، والله أعلم.
فصل
ومن ذلك: نقل من نقل الإجماع على أن المتكلم بالطلاق الثلاث في مرةٍ واحدةٍ يقع به الثلاث، وقال بموجَب عِلْمِه وما بلغه، وإلَّا فالخلاف في هذه المسألة ثابتٌ من وجوهٍ١:
الوجه الأول: أنه على عهد الصديق إنما كان يُفتى بأنها واحدة، كما روى مسلم في «صحيحه»٢ أن أبا الصهباء قال لعبد الله بن عباسٍ٣: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر مَن طَلَّقَ ثلاثًا جُعلت واحدة؟! قال: نعم ...» وذكر الحديث. ومَن تتبع ألفاظه
(١) في حاشية «ب» تعليق طويل لبيان هذه المسألة، يظهر أنه نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية بتصرُّف يسير، وهو في «جامع المسائل» (١/ ٣٥٧).