ورواه محمد بن عبد الواحد المقدسي في «مختارته»١ التي هي أصح من صحيح الحاكم.
فهذا من رواية عكرمة عن ابن عباس، والأول من رواية طاوس٢، وكان طاوس٣ وعكرمة٤ يقولان: هي واحدة.
قال إسماعيل بن إبراهيم: ثنا أيوب عن عكرمة: إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفَمٍ واحدٍ فهي واحدة٥.
قال أبو داود٦: وروى حماد بن زيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس: إذا قال أنتِ طالق ثلاثًا بفَمٍ واحد فهي واحدة.
فهؤلاء رواة الحديث عن ابن عباس قد أفتَوْا به، ومنهم محمد بن إسحاق كان يفتي بأن مَن قال: أنتِ طالق ثلاثًا، فهي واحدة، وكان يقول: «مَن جَهِلَ السُّنَّة يُرَدُّ٧ إليها»٨.
(١) «الأحاديث المختارة» (١١/ ٣٦٣).
(٢) يعني حديث أبي الصهباء عن ابن عباس المتقدِّم، وهو في «صحيح مسلم» (١٤٧٢) فإنه من رواية طاوس عن ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١٠٨٠) وابن أبي شيبة في «المصنف» (١٨١٧٩).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» (١١٠٨١).
(٥) «سنن أبي داود» (١١٠٨١).
(٦) «السنن» (٢/ ٢٦٠).
(٧) «ح»: «فيرد».
(٨) حكى قولَ ابن إسحاق الإمامُ أحمد عنه كما في «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٧٨).
وهذا عين١ الفقه؛ فإن العامِّيَّ الجاهل إذا جَهِلَ سُنة الطلاق وطلق رُدَّ طلاقُه إلى السُّنَّة؛ لقوله ﷺ: «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»٢.
وأمَّا الحديث الظاهر في عدم لزوم الثلاث فهو حديث محمود٣ بن لَبيد قال: «أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام٤ غضبانَ، ثم قال: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟! حتى قام رجل فقال: يا رسول الله، ألا أَقتُلُه». رواه النسائي٥.
ولم يُقل إنه أجازه عليه، بل الظاهر برسول الله ﷺ الذي يَقرُبُ من القطع أن رسول الله ﷺ لا يُجِيزُ حكمًا تلاعَبَ مُوقِعه بكتاب الله، بل هو أشدُّ ردًّا له وإبطالًا، والله المستعان.
(١) «ح»: «غير». وهو تحريف.
(٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) عن أم المؤمنين عائشة ﵂، وهذا لفظ مسلم.
(٣) «ب»: «محمد». والمثبت هو الصواب، ومحمود بن لبيد الأنصاري ﵁ صحابي صغير، ترجمته في «الإصابة» (١٠/ ٦٧ - ٦٨).
(٤) «فقام» سقط من «ح».
(٥) «المجتبى» (٣٤٠١) وفي «السنن الكبرى» (٥٥٦٤) من طريق ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه قال: سمعت محمود بن لبيد به. وأعله النسائي في «الكبرى» فقال: «لا أعلم أحدًا روى هذا الحديث غير مخرمة». وقال ابن كثير في «التفسير» (١/ ٦٢١): «فيه انقطاع». وقال ابن حجر في «فتح الباري» (٩/ ٣٦٢): «رجاله ثقات؛ لكن محمود بن لبيد وُلِدَ في عهد النبي ﷺ، ولم يَثبُت له منه سماعٌ». وقال: «رواية مخرمة عن أبيه عن مسلم في عدة أحاديث، وقد قيل إنه لم يسمع من أبيه». وقد صحَّحه المصنف في «زاد المعاد» (٥/ ٢٢٠) وأجاب عمَّا أُعِلَّ به.