ومن ذلك: حكاية مَن حكى الإجماع على وقوع الطلاق في الحيض بحَسَب ما بلغه، والمسألة مسألة نزاع، لا مسألة إجماع، فصحَّ عن ابن عمر أنه قال في الرجل يُطلِّق امرأته [ق ٣٧ أ] وهي حائض: لا يُعتَدُّ١ بذلك.
وصحَّ٢ عن طاوس «أنه كان لا يرى طلاقًا ما خالف وجه الطلاق ووجه العدَّة، وكان يقول: وجه الطلاق أن يُطلِّقها طاهرًا من غير جماع، أو إذا استبان حَملُها».
وصحَّ عن خِلَاس بن عمرو أنه قال في الرجل يُطلِّق امرأته وهي حائض قال: «لا يُعتَدُّ بها»٣.
قال أبو محمد بن حزم٤: «ويكفي من هذا كلِّه المسندُ البيِّن الثابت الذي خرَّجه أبو داود السِّجستاني٥ قال: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير، أنه سمع عبد الرحمن بن
(١) «ح»: «تعتد».
(٢) من هنا بدأ سقط طويل في «ح» وكتب بالحاشية: «هكذا وجدنا في الأصل».
(٣) أخرجه ابن حزم في «المحلى» (١٠/ ١٦٣).
(٤) «المحلى» (١٠/ ١٦٥ - ١٦٦).
(٥) «سنن أبي داود» (٢١٨٥). والحديث أخرجه مسلم (١٤٧١/ ١٤) دون قوله: «ولم يرها شيئًا». وقال ابن عبد البر في «التمهيد» (١٥/ ٦٥ - ٦٦): «قوله في هذا الحديث «ولم يرها شيئًا» منكَرٌ عن ابن عمر؛ لِمَا ذكرنا عنه أنه اعتدَّ بها، ولم يقله أحدٌ عنه غير أبي الزبير، وقد رواه عنه جماعة جلة، فلم يقل ذلك واحد منهم، وأبو الزبير ليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بخلاف من هو أثبت منه».
أيمن مولى عزة يسأل ابن عمر - قال أبو الزبير: وأنا أسمع - كيف ترى في رجل طَلَّق امرأته حائضًا؟ فقال ابن عمر: طَلَّقَ ابن عمر امرأته وهي حائض على عهد رسول الله ﷺ، فسأل عمر عن ذلك رسول الله ﷺ، فقال: إن عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض. قال عبد الله: فردَّها عليَّ ولم يَرَها شيئًا، وقال: إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ. وقرأ رسول الله ﷺ «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ»١. قال: وهذا إسنادٌ في غاية الصحة، لا يحتمل التوجيهات.
والكلام على هذا الحديث وعلى الحديث الآخر: «أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ»٢ وبيان عدم التعارض بينهما له موضعٌ آخَرُ٣.
والمقصِد أن المسألة من مسائل النزاع، لا من مسائل الإجماع، فأحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد أنه لا يقع الطلاق في زمن الحيض، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية٤، وبالله التوفيق.
(١) قال أبو العباس القرطبي في «المفهم» (٤/ ٢٣٣): «وقوله: «وقرأ النبي ﷺ «فطلقوهن في قبل عدتهن» هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ، غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح ...، وهي قراءة ابن عمر وابن عباس، وفي قراءة ابن مسعود: «لقبل طهرهن». قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة».
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٥٨) ومسلم (١٤٧١).
(٣) تكلم الإمام ابن القيم ﵀ على هذه المسألة بتوسُّع في «تهذيب السنن» (٢/ ٤٨٣ - ٥١٦) وختمها بقوله: «وقد أفردت لهذه المسألة مصنفًا مستقلًّا، ذَكَرتُ فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح، والجواب عمَّا احتجَّ به أصحاب القول الآخر».