الصواعق المرسلة

فجِسْم النَّار مساوٍ لجسم الماء١ في الحقيقة، وإنما اختلفا بالأعراض، وجسم البول مساوٍ لجسم المِسْك بالحقيقة، وإنما اختلفا في أعراضهما.

وحُكْم عقولهم بأن الواحد لا يصدر عنه إلَّا واحد، وأن ذلك المصدر لا يُسمَّى باسمٍ، ولا يوصف بصفةٍ، ولا له ماهية غير الوجود المطلق؛ ثم الذي صدر عنه إن وجب أن يكون كذلك كان مصدره أيضًا كذلك، ولم يكن بالعالم تكثُّر٢، وإن كان فيه نوع تكثُّر فقد صدر عنه أكثر من واحدٍ.

ومثل حُكمِهم بأن العاقل والمعقول والعقل شيءٌ واحدٌ، فالمبدأ الأول عاقل ومعقول وعَقْل.

ومثل حُكمِهم بأن في الخارج كلياتٍ لا تتقيَّد بقيدٍ، ولا تَتشخَّص بتشخيصٍ، ولا تتعيَّن بتعيينٍ، [ب ٨٠ ب] وليست داخلةَ العالم ولا خارجَه، وأنها جزءٌ من هذه المعينات.

ومثل حُكمِهم بأن ذات الرَّبِّ تعالى مع كونها خارجة الذِّهن فليست خارجة العالم ولا داخلة فيه، ولا متصلة به، ولا منفصلة عنه، ولا حالَّة فيه، ولا مُباينة له.

ومثل حُكمِهم بأن الرَّبَّ تعالى لم يزل قادرًا على الفعل في الأزل، وحصول المقدور فيه محالٌ، ثم انتقل الفعل من الإحالة الذَّاتية إلى الإمكان الذَّاتي، فلا يُحدَّد٣ بسببٍ أصلًا، وحَدَثَ من غير تجدُّد أمرٍ يقتضي حدوثه،

  1. (١) «ب»: «الماثل». والمثبت هو الصواب، فستأتي العبارة في كلام المصنف (ص ٧٩٦) مرة أخرى على الصواب.
  2. (٢) «ب»: «به العالم يكثر». والمثبت هو الصواب الذي دل عليه السياق.
  3. (٣) كذا في «ب»، ولعلها: «يحدث».
354

بل حال الفاعل قبله ومعه وبعده واحدة.

ومثل حُكمِهم بأن كلامه معنًى واحدٌ، لا ينقسم ولا يتجزَّأ، ولا له بعض ولا كلٌّ، وأن الأمر هو عين النَّهي، وهما عين الخبر والاستخبار، فالكل حقيقةٌ واحدةٌ.

وأن الحواسَّ والإدراكات يصحُّ تعلُّقها بكل موجودٍ، فتُؤكل الأصوات وتُشمُّ وتُذاقُ، وتُسمَع الرَّوائح والطُّعوم.

إلى أضعاف أضعاف ذلك من خواصِّ علومهم التي جعلوها قواطعَ عقلية تُفيد اليقين، وكلام الله ورسوله أدلة لفظية لا تُفيد اليقين. فقد تبيَّن أنَّ ما نفى عنه هؤلاء اليقين من أعظم ما يُفيد اليقين، وما أثبتوا له اليقين أبعدُ شيءٍ عن اليقين.

الوجه السَّابع عشر: أن هذا من أنواع السَّفسطة، بل هو شر أنواعها، فإن أنواعها ثلاثة:

أحدها: التجاهل، وهو لا أدري، وأصحابه يُسمَّوْن اللاأدرية.

الثَّاني: النَّفي والجحود.

الثَّالث: قلب الحقائق، وهو جعل الموجود معدومًا، والمعدوم موجودًا؛ إمَّا في نفس الأمر، وإمَّا بحسب الاعتقاد.

والذي يدَّعي قلب الحقائق في نفس الأمر أشد سفسطةً ممَّن يدَّعي أنها تَبَعٌ لاعتقاد الإنسان فيها، فإذا جُعلت الأدلة العقلية - التي هي من جنس ما تقدَّمَ وغيره - تُفيد اليقين بمدلولاتها الخارجية، والأدلة اللفظية التي أعلاها كلام الله ورسوله لا تُفيد اليقين، كان ذلك من أعظم أنواع السفسطة، وأكثر

355

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي