وقال الرَّازي في كتابه «أقسام اللذات»١ وقد ذكر أنواعها، وأن أشرفها لذة العلم والمعرفة، وأشرفَ العلم: العلم الإلهي لشرف معلومه وشدة الحاجة إليه، وأنه على ثلاثة أقسام: «العلم بالذَّات وعليه عُقدة، وهي أن الوجود هل هو الماهية أو زائد عليها؟ والعلم بالصفات، وعليه عقدة، وهي أن الصِّفات هل هي أمور وجودية زائدة على ذات الموصوف أم ليست بزائدة على الذَّات؟ والعلم بالأفعال وعليه عقدة، وهي هل الفعل مقارنٌ للفاعل أو متراخٍ عنه؟ ثم قال: ومَن الذي وصل إلى هذا الباب أو ذاق من هذا الشراب؟». ثم أنشد٢:
لقد تأمَّلْت الطُّرُق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تَشفي عليلًا، ولا تُروي غليلًا، ورأيت أقرب الطُّرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾[طه: ٤]﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اُلْكَلِمُ اُلطَّيِّبُ﴾[فاطر: ١٠]، وأقرأ في النَّفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾[الشورى: ٩]﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾[طه: ١٠٧]. ومن جرَّب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي».
(١) «رسالة ذم لذات الدنيا» (ص ٢٥٢ - ٢٦٣) والنقل باختصار كبير، وبعضه بالمعنى، وبعضه ليس موجودًا في المطبوع.
(٢) «رسالة ذم لذات الدنيا» (ص ٢٦٢).
فليتأمَّل اللبيب ما في كلام هذا الفاضل من العِبَر، فإنه لم يأتِ في المتأخِّرين مَن حصَّل من العلوم العقلية ما حصَّله، ووقف على نهايات أقدام العُقلاء، وغايات مباحث الفُضلاء، وضرب بعضَها ببعضٍ ومَخَضها أشدَّ المخض، فما رآها تَشفي علَّةَ داء الجهالة، ولا تُروي غُلَّةَ ظمأ الشَّوق والطلب، وأنها لم تَحُلَّ عنه عُقدةً واحدةً من هذه العُقَد الثَّلاث التي عَقَدها أرباب المعقولات على قافية القلب، فلم يستيقظ لمعرفة [ب ٨٥ أ] ذات الله ولا صفاته ولا أفعاله.
وصَدَقَ والله، فإنه شاكٌّ في ذات ربِّ العالمين: هل له ماهية غير الوجود المطلق يختص بها، أم ماهيَّته نفس وجوده الواجب؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عُقدتها. وشاكٌّ في صفاته: هل هي أمور وجودية، أم نِسَبٌ إضافية عدمية؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عُقدتها. وشاكٌّ في أفعاله: هل هي مقارنة له أزلًا وأبدًا لم تَزَلْ معه، أم الفعل متأخر عنه تأخُّرًا لا نهاية لأمده، فصار فاعلًا بعد أن لم يكن فاعلًا؟ ومات ولم تَنحَلَّ له عقدتها. فتنظر في كتبه الكلامية قول المتكلمين، وفي كتبه الفلسفية قول الفلاسفة، وفي كتبه التي خلط فيها بين الطريقتين يضرب أقوال هؤلاء بهؤلاء، وهؤلاء بهؤلاء، ويجلس بينهما حائرًا، لا إلى هؤلاء، ولا إلى هؤلاء.
وكذلك أفضل أهل زمانه ابن أبي الحديد؛ فإنه مع بَحْثِه ونظره وتصدِّيه للرد على الرَّازي حتى يقول في قصيدةٍ له١:
(١) الأبيات باختلاف يسير نسبها إليه الصفدي في «الوافي بالوفيات» (١٨/ ٤٦)، وابن شاكر في «فوات الوفيات» (٢/ ٢٦٠).