الصواعق المرسلة
وَحَقِّكَ لَوْ أَدْخَلْتَنِي النَّارَ قُلْتُ لِلْـلَذِينَ بِهَا قَدْ كُنْتُ مِمَّنْ يُحِبُّهُ
وَأَفْنَيْتُ عُمْرِي فِي فُنُونٍ دَقِيقَةٍوَمَا بُغْيَتِي إِلَّا رِضَاهُ وَقُرْبُهُ
أَمَا قُلْتُمُ مَنْ كَانَ فِينَا مُجَاهِدًاسَيُكْرَمُ مَثْوَاهُ وَيَعْذُبُ شِرْبُهُ
أَمَا رَدَّ شَكَّ ابْنِ الْخَطِيبِ وَزَيْفَهُوَتَمْوِيهَهُ في الدِّينِ إِذْ جَلَّ خَطْبُهُ

يعترف بأن المعقولات لم تُعطِه إلَّا حَيْرةً، وأنه لم يَصِل منها إلى يقينٍ ولا عِلْمٍ، حيث يقول١:

فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَرِضَاعَ دَهْرِي٢ وَانْقَضَى عُمُرِي
سَافَرَتْ فِيكَ الْعُقُولُ فَمَارَبِحَتْ إلَّا أَذَى السَّفَرِ٣
قَاتَلَ اللهُ الْأُلَى زَعَمُواأَنَّكَ الْمَعْرُوفُ بِالنَّظَرِ٤
كَذَبُوا إِنَّ الَّذِي ذَكَرُواخَارِجٌ عَنْ قُوَّةِ الْبَشَر

وقال بعض الطَّالبين من المتأخرين، وقد سافر في طلب ربِّه على هذه الطَّريق فلم يزدد إلَّا حَيْرةً وبُعدًا من مطلبه، حتى قيَّض الله له مَن أخذ بيده، وسلك به على الطَّريق الَّتي سَلَكَ عليها الرُّسُل وأتباعُهم، فجعل يهتف

  1. (١) الأبيات أنشدها ابن أبي الحديد لنفسه في «شرح نهج البلاغة» (١٣/ ٥١). ونسب ياقوت في «معجم الأدباء» (٣/ ١١٦٣) بعضها للحسين بن هداب النوري.
  2. (٢) في «شرح نهج البلاغة»: «تاه عقلي».
  3. (٣) زاد بعده في «شرح نهج البلاغة»:
    رَجَعَتْ حَسْرَى وَمَا وَقَفَتْ ... لَا عَلَى عَيْنٍ وَلَا أَثَر
  4. (٤) جاء هذا البيت في «شرح نهج البلاغة» هكذا:
    فَلَحَى اللهُ الْأُلَى زَعَمُوا ... أنَّكَ المعلومُ بالنَّظر
371

بصوته لأصحابه: هَلُمُّوا، فهذه والله الطريق، وهذه أعلام مكة والمدينة، وهذه آثار القوم لم تنسخها الرياحُ، ولم تُزِلْها الأهوية. ثم قال١:

وَكُنْتُ وَصَحْبِي فِي ظَلَامٍ مِنَ الدُّجَىنَسِيرُ عَلى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَلَا نَدْرِي
/وَكُنَّا حَيَارَى فِي الْقِفَارِ وَلَمْ يَكُنْدَلِيلٌ لَنَا نَرْجُو الْخَلَاصَ مِنَ الْقَفْرِ
ظِمَاءً إِلَى وِرْدٍ يَبُلُّ غَلِيلَنَاوَقَدْ قَطَعَ الْأَعْنَاقَ مِنَّا لَظَى الْحَرِّ
فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ تَبَدَّى لِنَاظِرِيسَنَا بَارِقٍ يَبْدُو كَخَيْطٍ مِنَ الْفَجْرِ
فَقُلْتُ لِصَحْبِي هَلْ تَرَوْنَ الَّذِي أَرَىفَقَالُوا اتَّئِدْ ذَاكَ السَّرَابُ الَّذِي يَجْرِي
فَخَلَّفْتُهُمْ خَلْفِي وَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُفَأَوْرَدَنِي عَيْنَ الْحَيَاةِ لَدَى الْبَحْرِ
فَنَادَيْتُ أَصْحَابِي فَمَا سَمِعُوا النِّدَاوَلَوْ سَمِعُوهُ مَا اسْتَجَابُوا إِلَى الْحَشْر

فهذا اعتراف هؤلاء الفضلاء في آخر سَيْرِهم بما أفادتهم الأدلة العقلية من ضد اليقين، ومن الحَيْرة والشكِّ؛ فمَن الذي شكا من القرآن والسُّنَّة والأدلة اللفظية هذه الشكاية، ومَن الذي ذَكَرَ أنها حيَّرَتْه ولم تَهْدِه؟ أوَلَيس بها هدى الله أنبياءه ورُسلَه وخيرَ خَلْقه؟ قال تعالى لأكمل خَلْقه وأوفرهم عقلًا: ﴿قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّيَ﴾ [سبأ: ٥٠]. فهذا أكمل الخَلْق عقلًا - صلوات الله وسلامه عليه - يُخبِر أن اهتداءه بالأدلة اللفظية التي أوحاها الله إليه، وهؤلاء المتهوِّكون المتحيِّرون يقولون: إنها لا تُفيد يقينًا ولا عِلْمًا ولا هُدًى. وهذا موضع المَثَل المشهور: «رمتني بدائها وانسلَّتْ»٢.

  1. (١) الأبيات لم نقف على قائلها، ولعلها للإمام ابن القيم نفسه، وينظر «النونية» له (٢/ ٥٧٠ - ٥٧٢).
  2. (٢) يُضرب لمن يُعَيِّر صاحبه بعيبٍ هو فيه. ينظر: «الأمثال» لأبي عبيد (ص ٧٣ - ٧٤) و«مجمع الأمثال» للميداني (١/ ١٠٢، ٢٨٦).
372

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي