الصواعق المرسلة

وأوهموا أنهم ينفون معناه لغةً، وقَصْدُهم نَفْيُ معناه اصطلاحًا، فسَمَّوْه بخلاف اسمه في اللغة، ونَفَوْا به ما أثبته الرَّبُّ لنفسه من صفات الكمال.

وكذلك سَمَّوْا صفاته [ب ٨٦ ب] أعراضًا، ثم نَفَوْا عنه الأعراض بالمعنى الذي اصطلحوا عليه، لا بالمعنى الذي وُضِعَتْ له ألفاظ الأعراض في اللغة.

وكذلك سَمَّوْا أفعاله حوادثَ، ثم نَفَوْها عنه بالمعنى الذي اصطلحوا عليه لا بمعناه في اللغة، فإن النَّبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللهُ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا»١. وقال: «إِيَّاكُمْ وَالْحَدَثَ فِي الْإِسْلَامِ»٢. وقال: «لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ»٣. فإذا قالوا: لا تَحِلُّه الحوادث. أوهموا النَّاس هذه الحوادث، ومرادهم أنه لا يتكلَّم ولا يُكلِّم، ولا يرى ولا يَسمع، ولا استوى على عرشه بعد أن لم يكن مستويًا، ولا ينزل كل ليلةٍ إلى سماء الدُّنيا، ولا يُنادِي عبادَه يوم القيامة، ولا يشاء مشيئةً، إلى أمثال ذلك.

وكذلك لفظ الاستواء حقيقةٌ في العلوِّ، ثم حَدَثَ له معنى الاستيلاء في قول الشَّاعر إن كان قاله٤:

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٣٠٦) ومسلم (١٣٦٦).
  2. (٢) لم نقف عليه مرفوعًا بهذا اللفظ، وإنما وقفنا عليه من كلام عبد الله بن مغفل ﵁، أخرجه الإمام أحمد (٢٠٥٥٩) والترمذي (٢٤٤) وابن ماجه (٨١٥) وقال الترمذي: «حديث حسن».
  3. (٣) أخرجه البخاري (٦٩٥٤) ومسلم (٢٢٥).
  4. (٤) صدر بيت، وعجزه:
    مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ أَوْ دَمٍ مُهْرَاقِ
    يُنسب للأخطل النصراني، وليس في «ديوانه»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» (٥/ ١٤٦): «ولم يثبت نقلٌ صحيحٌ أنه شعرٌ عربيٌّ، وكان غير واحدٍ من أئمة اللغة أنكروه، وقالوا: إنه بيتٌ مصنوعٌ، لا يُعرف في اللغة، وقد عُلم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يُعرف إسنادُه، وقد طَعن فيه أئمة اللغة».
375

قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاق

فهذا شِعرٌ مُوَلَّدٌ حَدَثَ بعد كتاب الله، ولم يكن معروفًا قبل نزول القرآن، ولا في عصر من أُنزِل عليه القرآن، فحملوا لفظ القرآن على الشِّعر المولَّد الحادث بعد نزوله، ولم يكن من لغة مَن نزل القرآن عليه.

وكذلك لفظ المحلِّل والمحلَّل له، فإنه في لغة مَن تكلَّم به ولغة أصحابه هو محلِّل النِّكاح، الذي يُريد أن يتزوج المرأة ليُحلَّها لِمُطَلِّقها. وفي اصطلاح بعض الفقهاء هو الذي يُحَلِّل مُوَلِّيَتَه لغيره بلا مهرٍ، أو الذي يَشترط التَّحليل لفظًا في صُلب العقد.

وكذلك لفظ الخمر في لغة مَن تكلَّم به وصرَّح بتحريمه: كلُّ مُسكرٍ. فاصطلح بعض الفقهاء على تخصيص بعض أنواع الأشربة المسكرة باسم الخمر، ثم حملوا النُّصوص على تلك المعاني التي اصطلحوا عليها.

وكذلك لفظ الجار في لغته ﷺ هو الجار المعروف، فإذا اصْطُلح على تسمية الشَّريك جارًا قياسًا على تسمية الزوجة جارًا في قول الشَّاعر١:

  1. (١) صدر بيت، وعجزه:
    كَذَاكِ أُمُورُ النَّاسِ غَادٍ وَطَارِقَهْ
    وهو للأعشى في «ديوانه» (ص ٢٦٣).
376

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي