الصواعق المرسلة

بالإبطال. فادَّعى قومٌ من أهل التأويل [ب ٩٠ أ] في كثيرٍ من عمومات هذا النوع التخصيص، وذلك في باب الوعد والوعيد وفي باب القضاء والقدر.

أمَّا باب الوعيد فإنه لمَّا احتَجَّ عليهم الوعيدية بقوله: ﴿* وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٢] وبقوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠] وأمثال ذلك لجؤوا إلى دعوى الخصوص، وقالوا: هذا في طائفةٍ معيَّنةٍ. ولجؤوا إلى هذا القانون وقالوا: الدليل اللفظي العامُّ مبنيٌّ على مقدِّمات، منها عدم التخصيص، وانتفاؤه غير معلومٍ.

وأمَّا باب القدر فإن أهل الإثبات لمَّا احتجوا على القدرية بقوله: ﴿اِللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٨] وقوله: ﴿وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: ١٢٢] ونحوه ادَّعَوْا تخصيصه.

وأكثر طوائف أهل الباطل ادِّعاءً لتخصيص العمومات هم الرَّافضة، فقلَّ أن تَجِدَ في القرآن والسُّنَّة لفظًا عامًّا في الثناء على الصَّحابة إلَّا قالوا: هذا في عليٍّ وأهل البيت.

وهكذا تجد كل أصحاب مذهبٍ من المذاهب إذا ورد عليهم عامٌّ يخالف مذهبهم ادَّعَوْا تخصيصه، وقالوا: أكثر عمومات القرآن مخصوصة. وليس ذلك بصحيحٍ، بل أكثرها محفوظةٌ باقيةٌ على عمومها. فعليك بحِفْظ العموم، فإنه يُخلِّصك من أقوالٍ كثيرةٍ باطلةٍ قد وقع فيها مُدَّعُو الخصوص بغير برهانٍ من الله، وأخطؤوا من جهة اللفظ والمعنى.

أمَّا من جهة اللفظ فلأنك تجد النصوص التي اشتملت على وعيد أهل الكبائر مثلًا في جيمع آيات القرآن خارجة بألفاظها مَخرَج العموم المؤكد

387

المقصود عمومه، كقوله: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ١٩] ﴿وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ﴾ [الأنفال: ١٦] وقوله: ﴿* وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٢] و﴿مَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقد سمَّى النبي ﷺ هذه الآية جامعةً فاذَّةً١. أي: عامة فذَّة في بابها٢. وقوله: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى ٧٣ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ اَلصَّالِحَاتِ فَأُوْلَئِكَ لَهُمُ اُلدَّرَجَاتُ اُلْعُلى﴾ [طه: ٧٣ - ٧٤] وقوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اَلْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] وقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اَللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨].

وأضعاف أضعاف ذلك من عمومات القرآن المقصودُ عمومها، التي إذا أُبطِل عمومها بَطَلَ مقصود عامَّة القرآن. ولهذا قال شمس الأئمة السرخسيُّ٣: «إنكار العموم بدعة حدثت في الإسلام بعد القرون الثلاثة»٤.

[ب ٩٠ ب] وأمَّا خطؤهم من جهة المعنى، فلأن الله سبحانه إنما علَّق الثواب والعقاب على الأفعال المقتضية له اقتضاءَ السبب لمسببه، وجعلها

  1. (١) أخرجه البخاري (٤٩٦٣) ومسلم (٩٨٧) عن أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) معنى جامعة: أي عامة لجميع أفعال الخير، ومعنى فاذة: منفردة قليلة المِثْل في بابها. «مشارق الأنوار» (٢/ ١٥٠) و«مطالع الأنوار» (٥/ ٢٠٧).
  3. (٣) الإمام شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل السرخسي الحنفي صاحب «المبسوط» توفي في حدود سنة خمسمائة. ترجمته في «الجواهر المضية» للقرشي (٢/ ٢٨ - ٢٩) و«تاج التراجم» لابن قطلوبغا (ص ٢٣٤ - ٣٢٥).
  4. (٤) لم نقف عليه.
388

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي