الصواعق المرسلة

عللًا لأحكامها، والاشتراكُ في الموجب يقتضي الاشتراك في موجِبه، والعلةُ إذا تَخلَّف عنها معلولها من غير انتفاء شرطٍ أو وجود مانعٍ فسدت، بل يستحيل تخلُّف المعلول عن علَّته التَّامة، وإلَّا لم تكن تامَّة، ولكن غَلِطَ هاهنا طائفتانِ من أهل التأويل:

الوعيدية حيث حجَرَت على الربِّ تعالى بعقولها الفاسدة أن يترك حقَّه ويعفوَ عمَّن يشاء من أهل التوحيد، وأوجبوا عليه أن يُعذِّب العُصاة ولا بدَّ، وقالوا: إن العفو عنهم وتَرْكَ تعذيبهم إخلالٌ بحكمته وطعنٌ في خبره.

وقابلتهم الطَّائفة الأخرى فقالوا: لا نجزم بثبوت الوعيد لأحدٍ، فيجوز أن يعذب الله الجميع، وأن يعفو عن الجميع، وأن يُنفِّذَ الوعيد في شخصٍ واحدٍ يكون هو المراد من ذلك اللفظ، ولا نعلم هل هذه الألفاظ للعموم أو للخصوص. وهذا غلوٌّ في التعطيل، والأول غلوٌّ في التقييد. والصواب غير المذهبين، وأن هذه الأفعال سببٌ لما عُلِّق عليها من الوعيد، والسبب قد يتخلَّف عنه مسببه لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ، والموانع متعددة، منها ما هو متفَق عليه بين الأُمة كالتوبة النصوح، ومنها الحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، وما يلحق العبد بعد موته من ثوابٍ تسبَّب إلى تحصيله، أو دعاءٍ، أو استغفارٍ له، أو صدقةٍ عنه. ومنها شفاعة يأذن الله فيها لمن أراد أن يشفع فيه. ومنها رحمة تُدرِكه من أرحم الرَّاحمين، يترك بها حقَّه قِبَله ويعفو عنه. وهذا لا يُخْرِج العموم عن مقتضاه وعمومه، ولا يُحجَر على الربِّ تعالى حجرَ الوعيدية والقدرية. وللرد على الطَّائفتين موضع غير هذا١.

  1. (١) قد بسط المصنِّف الرد على الطائفتين في كتابه «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل».
389

والمقصود أن الأقسام الثلاثة التي تضمنها القرآن وهي: الأعمُّ والعامُّ والأخصُّ، كل منها يُفِيدُ العلم بمدلوله، ولا يتوقَّف فَهْم المراد منه على العلم بانتفاء المخصص والإضمار والحذف والمجاز؛ فإن ذلك يُبطِل أحكام تلك الأقسام العشرة التي اشتمل عليها القرآن، وتَحُولُ بين الإنسان وبين فائدتها، مع كونها أهمَّ الأمور، والعنايةُ الإلهية بها أشدُّ، وبيانُها واقعٌ موقع الضرورة. فلو صحَّ قول القائل: إن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين، لم يحصل لنا [ب ٩١ أ] اليقين من القرآن في شيءٍ من تلك الأقسام العشرة البتَّةَ، وهذا مِن أَبْطَلِ الباطل وأَبْيَنِ الكذب.

الوجه الرَّابع والثلاثون: أنك تجد عند كثيرٍ من المعروفين بالتفسير مِن ردِّ كثيرٍ من ألفاظ القرآن عن العموم إلى الخصوص نظيرَ ما تجده من ذلك عند أرباب التأويلات المستنكرة. ومتى تأمَّلْت الحال فيما سوَّغوه من ذلك وجدتها عائدة من الضرر على الدِّين بأعظم ممَّا عاد من ضرر كثيرٍ من التأويلات. وذلك لأنهم بالقصد إلى ذلك فتحوا لأرباب التأويلات الباطلة السبيل إلى التهافُت فيها، فعَظُمَتْ بذلك الجناية من هؤلاء وهؤلاء على الدِّين وأهله.

وتجد الأسباب الدَّاعية للطائفتين قصدَ الإغراب على النَّاس في وجوه التفسير والتأويل، وادعاءَهم أن عندهم منها نوادر لا توجد عند عامة النَّاس؛ لعِلْمِهم أن الأمر الظَّاهر المعلوم يشترك النَّاس في معرفته فلا مزيَّةَ فيه، والشيءُ النَّادرُ المستظرَف يَحُلُّ مَحَلَّ الإعجاب، وتتحرَّك الهِمَم لسماعه واستفادته؛ لِمَا جُبل النَّاس عليه من إيثار المستظرَفات والغرائب. وهذا من أكثر أسباب الأكاذيب في المنقولات، والتحريف لمعانيها، ونِحْلَتها معانيَ

390

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي