الصواعق المرسلة

وقال بعضهم في ﴿ن وَاَلْقَلَمِ﴾ [القلم: ١] إنها الدواة١. كأنه لمَّا رأى هذا الحرف قد اقترن بالقلم جعله الدواة.

وقال بعضهم في ﴿ص﴾ [ص: ١] إنها فِعْل أَمْر٢ مثل رامِ وقاضِ.

وكما قال بعضهم في قوله: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾ [الفرقان: ٨]: [ب ٩١ ب] وهو الذي له سَحْر٣ أي: رئة٤. أَفَتَرَى أراد

  1. (١) قال الواحدي في «التفسير البسيط» (٢٢/ ٧٠): «وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ﴿ن﴾ الدواة. ونحو هذا روى الضحاك، وهو قول الحسن وقتادة».
  2. (٢) قال الطبري في «جامع البيان» (٢٠/ ٥): «قال بعضهم: هو من المصاداة، من صاديت فلانًا، وهو أمرٌ من ذلك، كأن معناه عندهم: صاد بعملك القرآن: أي عارِضْه به، ومن قال هذا تأويله، فإنه يقرؤه بكسر الدال، لأنه أمرٌ، وكذلك روي عن الحسن». وقال القرطبي في «الجامع» (١٥/ ١٤٢): «وقرأ أُبي بن كعب والحسن وابن أبي إسحاق ونصر بن عاصم «صادِ» بكسر الدال بغير تنوين، ولقراءته مذهبان: أحدهما أنه من صادى يصادي إذا عارَضَ، ومنه ﴿فَأَنتَ لَهُ تَصَدّى﴾ [عبس: ٦] أي: تَعَرَّضُ، والمصاداة المعارضة، ومنه الصدى، وهو ما يُعارِض الصوت في الأماكن الخالية. فالمعنى صادِ القرآن بعملك، أي: عارِضْه بعملك وقابِلْه به، فاعْمَل بأوامره، وانْتَهِ عن نواهيه».
  3. (٣) السحر: الرئة. وفيه ثلاث لغات: وزان فَلْس وسَبَب وقُفْل. «المصباح المنير» (١/ ٢٦٧).
  4. (٤) قال الواحدي في «التفسير البسيط» (١٣/ ٣٥٣): «وقال أبو عبيدة: يريد بشرًا ذا رئةٍ. قال ابن قتيبة: ولست أدري ما الذي اضطره إلى هذا التفسير المستكرَه، وقد سبق التفسير من السلف بما لا استكراه فيه. قال مجاهد في قوله: ﴿رَجُلًا مَّسْحُورًا﴾: أي مخدوعًا؛ لأن السحر حيلة وخديعة. وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿مَّسْحُورًا﴾ قال: يريد مخلوقًا. وهذا يؤكد قول أبي عبيدة: ذو سحر».
392

فرعونُ بقوله لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] هذا المعنى؟! وأراد الكفار بقولهم: ﴿إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥] هذا المعنى١؟!

وكما قال آخرون في قوله: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اُللَّهُ فِي اِلدُّنْيا وَاَلْآخِرَةِ﴾ [الحج: ١٥] أن المعنى يرزقه٢، واستشهدوا بقولهم: أرض منصورة أي: ممطورة. ولو تأمَّلَ هذا القائلُ سياقَ [الآية]٣ وآخرها لَعَلِمَ أن تفسير النصر بالرزق يُزيل معنى الآية عن وَجْهِه الذي قُصِدَ به٤.

وقال آخرون في قوله: ﴿فَاَلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] أي: بدِرْعِك، و﴿نُنَجِّيكَ﴾ نُلقِيك على نَجوةٍ من الأرض٥.

وقال آخرون في قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]: إن المراد به ضَعْ يَدَكَ على نَحْرك. وتكايَسَ غيره٦ وقال: المعنى استقبلِ القبلة بنحرك٧.

  1. (١) قال الواحدي في «التفسير البسيط» (١٣/ ٣٥٥): «والاختيار هو القول الأول؛ لقوله تعالى إخبارًا عن فرعون: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَامُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] لا يجوز أن يكون أراد مخلوقًا، وذا سحرٍ، وإنما أراد: مخدوعًا، والمشركون كانوا يذهبون إلى أن النبي ﷺ يُعلم ما يأتي به ويُخدع بذلك، يدل على هذا قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: ١٠٣]. فلذلك قالوا له: ﴿مَسْحُورًا﴾».
  2. (٢) رواه الطبري في «جامع البيان» (١٦/ ٤٨٠) عن ابن عباسٍ ﵄ من طرق.
  3. (٣) «ب»: «الآخرة».
  4. (٤) وجَّهه الطبريُّ في «جامع البيان» (١٦/ ٤٨٣ - ٤٨٤) توجيهًا حسنًا.
  5. (٥) ينظر: «النكت والعيون» للماوردي (٢/ ٤٤٩) و«معالم التنزيل» للبغوي (٤/ ١٤٩) و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبي (٨/ ٣٧٩ - ٣٨١).
  6. (٦) كذا في «ب»، وظاهر السياق أن تكون: «غيرهم».
  7. (٧) قال القرطبي في «الجامع» (٢٠/ ٢١٩): «وقال علي ﵁ ومحمد بن كعب: المعنى ضع اليمنى على اليسرى حِذاءَ النحر في الصلاة. ورُوي عن ابن عباس أيضًا. ورُوي عن علي أيضًا: أن يرفع يدَيْه في التكبير إلى نحره. وكذا قال جعفر بن علي ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاَنْحَرْ﴾ قال: يرفع يديه أوَّل ما يكبِّر للإحرام إلى النحر ... وعن أبي صالح عن ابن عباس قال: استقبل القبلة بنحرك. وقاله الفراء والكلبي وأبو الأحوص».
393

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي