فهضموا معنى هذه الآية التي جمعت بين العبادتين العظيمتين الصلاةِ والنُّسُكِ.
وقال آخرون في قوله: ﴿أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾[الحديد: ٢٠]: إنهم الزُّرَّاع١. وهل أطلق الله سبحانه الكفار في موضعٍ واحدٍ على غير الكافرين به؟!
وكما قيل في قوله: ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾[النور: ٣٥]: إن المشكاة هذا الموضع الذي يشكو المتعبِّدُ فيه إلى الله٢.
وأضعافُ أضعافِ ذلك من التفاسير المستنكَرة المستكرَهة التي قُصِدَ بها الإغراب والإتيان بخلاف ما يتعارفه النَّاس، كـ «حقائق السُّلَمي»٣
(١) قال الواحدي في «التفسير البسيط» (٢١/ ٣٠١): «قوله تعالى: ﴿أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ يعني: الزُّرَّاع، عن عبد الله ومجاهد. قال الأزهري: والعرب تقول: للزارع كافرًا؛ لأنه يَكفُر البَذْرَ الذي يَبذُره بتراب الأرض، ومنه قوله: ﴿أَعْجَبَ اَلْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ أي: الزُّرَّاع، وإذا أعجب الزُّراعَ نباتُه مع عِلْمهم به فهو غاية ما يُستحسَن. قال: وقيل: الكفار في هذه الآية الكفار بالله، وهم أشدُّ إعجابًا بزينة الدنيا وحَرْثها من المؤمنين».
(٢) لم أقف على هذا التفسير.
(٣) «حقائق التفسير» لأبي عبد الرحمن السُّلَمي قال عنه الذهبي في «تاريخ الإسلام» (٩/ ٢١١): «ليته لم يصنفه، فإنه تحريف وقَرمَطَة، فدُونَك الكتاب فسترى العجب». وقال في «تذكرة الحفاظ» (٣/ ١٠٤٦): «أتى فيه بمصائب وتأويلات الباطنية، نسأل الله العافية». وينظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا التفسير في «مجموع الفتاوى» (٦/ ٣٧٦، ١١/ ٥٨١، ١٣/ ٢٤٢ - ٢٤٣).
وغيره ممَّا لو تُتبِّع وبُيِّن بطلانه لجاء عدة أسفارٍ كبارٍ، ولولا قَصْدُ الإغراب والإتيان بما لم يَسبق إليه غيرُه لما أَقدَمَ على ذلك، كما قال بعض الرَّافضة في قوله: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾[الرحمن: ١٧]: هما علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾[الرحمن: ١٨] هو النبي ﷺ﴿يُخْرَجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَاَلْمَرْجَانُ﴾[الرحمن: ٢٠] هما الحسن والحسين١.
وجناية هؤلاء على القرآن جناية عظيمة، وبسبب ما اعتمدوه قال القائل: كلام الله لا يُستفاد منه يقينٌ؛ لاحتمال اللفظة منه عدَّة وجوهٍ، وقد فُسِّرت بذلك كله. ولو شُرح كتابٌ من كتب العلوم هذا الشرح لأفسده الشَّارح على صاحبه، ومسخ مقاصده، وأزالها عن مواضعها.
والمقصود أن حَمْل عمومات القرآن على الخصوص تعطيلٌ لدلالتها،
(١) أخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٥/ ٣١٦ - ٣١٧) عن سفيان الثوري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (٧/ ٢٤٦): «ذكره بإسناد رواته مجهولون لا يُعرفون عن سفيان الثوري، وهو كذبٌ على سفيان». ثم ساقه وعقَّب قائلًا: «وهذا الإسناد ظلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء». ثم بيَّن كذب هذا التفسير من وجوه. وقال شيخ الإسلام في «منهاج السنة النبوية» (٧/ ٢٤٥) أيضًا: «هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه».