وغيره ممَّا لو تُتبِّع وبُيِّن بطلانه لجاء عدة أسفارٍ كبارٍ، ولولا قَصْدُ الإغراب والإتيان بما لم يَسبق إليه غيرُه لما أَقدَمَ على ذلك، كما قال بعض الرَّافضة في قوله: ﴿مَرَجَ اَلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ﴾[الرحمن: ١٧]: هما علي وفاطمة ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ﴾[الرحمن: ١٨] هو النبي ﷺ﴿يُخْرَجُ مِنْهُمَا اَللُّؤْلُؤُ وَاَلْمَرْجَانُ﴾[الرحمن: ٢٠] هما الحسن والحسين١.
وجناية هؤلاء على القرآن جناية عظيمة، وبسبب ما اعتمدوه قال القائل: كلام الله لا يُستفاد منه يقينٌ؛ لاحتمال اللفظة منه عدَّة وجوهٍ، وقد فُسِّرت بذلك كله. ولو شُرح كتابٌ من كتب العلوم هذا الشرح لأفسده الشَّارح على صاحبه، ومسخ مقاصده، وأزالها عن مواضعها.
والمقصود أن حَمْل عمومات القرآن على الخصوص تعطيلٌ لدلالتها،
(١) أخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٢٥/ ٣١٦ - ٣١٧) عن سفيان الثوري. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة النبوية» (٧/ ٢٤٦): «ذكره بإسناد رواته مجهولون لا يُعرفون عن سفيان الثوري، وهو كذبٌ على سفيان». ثم ساقه وعقَّب قائلًا: «وهذا الإسناد ظلمات بعضها فوق بعض، لا يثبت بمثله شيء». ثم بيَّن كذب هذا التفسير من وجوه. وقال شيخ الإسلام في «منهاج السنة النبوية» (٧/ ٢٤٥) أيضًا: «هذا وأمثاله إنما يقوله من لا يعقل ما يقول، وهذا بالهذيان أشبه منه بتفسير القرآن، وهو من جنس تفسير الملاحدة والقرامطة الباطنية للقرآن، بل هو شر من كثير منه، والتفسير بمثل هذا طريق للملاحدة على القرآن والطعن فيه، بل تفسير القرآن بمثل هذا من أعظم القدح فيه والطعن فيه».
وإخراجٌ لها عمَّا قُصِدَ بها، وهَضْمٌ لمعناها، وإزالةٌ لفائدتها، كقول بعضهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اُللَّهُ وَرَسُولُهُ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا اُلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ اَلزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[المائدة: ٥٧] [ب ٩٢ أ]: إن المراد به عليُّ بن أبي طالب١. وهذا كَذِبٌ قطعًا على الله أنه أراد عليًّا وَحْدَه بهذا اللفظ العامِّ الشَّامل لكل من اتَّصف بهذه الصفة.
وقولِ هذا القائل أو غيره في قوله تعالى: ﴿وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُتَّقُونَ ٣٢ لَهُم مَّا يَشَاءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ اُلْمُحْسِنِينَ﴾[الزمر: ٣٢ - ٣٣] إنه علي بن أبي طالب٢.
(١) قال شيخ الإسلام في «منهاج السنة» (٢/ ٣٠): «وقد وضع بعض الكذابين حديثًا مفترًى أن هذه الآية نزلت في عليٍّ لمَّا تصدَّق بخاتمه في الصلاة، وهذا كَذِبٌ بإجماع أهل العلم بالنقل، وكَذِبُه بيِّنٌ من وجوه كثيرة» ثم ذكرها مفصَّلة. وينظر «منهاج السنة» (٧/ ٥ - ٣١) فقد أبطل هذا التفسير بما لا مزيد عليه.
(٢) أخرجه العقيلي في «الضعفاء الكبير» (٦/ ١٩١) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠) من طريق نصر بن مزاحم، عن عمرو بن سعيد، عن ليث، عن مجاهد. وقال العقيلي: نصر بن مزاحم المنقري كان يذهب إلى التشيع، وفي حديثه اضطرابٌ وخطأٌ كثيرٌ. وذكر أنه لا يُتابع على هذا الأثر. وقال شيخ الإسلام في «منهاج السنة» (٧/ ١٨٨): «هذا ليس منقولًا عن النبي ﷺ، وقول مجاهد وحده ليس بحجة يجب اتباعها على كل مسلم، لو كان هذا النقل صحيحًا عنه، فكيف إذا لم يكن ثابتًا عنه؟! فإنه قد عُرف كثرة الكذب. والثابت عن مجاهد خلاف هذا، وهو أن الصدق هو القرآن، والذي صَدَّقَ به هو المؤمن الذي عَمِلَ به. فجعلها عامَّة، رواه الطبري وغيره عن مجاهد قال: هم أهل القرآن يجيئون به يوم القيامة، فيقولون: هذا الذي أعطيتمونا قد اتَّبَعْنا ما فيه». ثم أفاض في بيان خطأ هذا التفسير.