وفي قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾[الأعراف: ٢٩]: المراد به المُشْط١. ومن هذا يضع الرَّافضة المشطَ بين أيديهم في الصلاة.
فصل
وقد يقع في كلام السلف تفسير اللفظ العامِّ بصورةٍ خاصةٍ على وجه التمثيل، لا على تفسير معنى اللفظة في اللغة بذلك، فيغيِّر به المعنى، فيجعله معنى اللفظة في اللغة، كما قال بعضهم في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اِلنَّعِيمِ﴾[التكاثر: ٨]: إنه الماء البارد في الصيف٢. فلم يُرد به أن النعيم المسؤول عنه هو هذا وحدَه.
وكما قيل في قوله: ﴿وَيَمْنَعُونَ اَلْمَاعُونَ﴾[الماعون: ٧]: إنه القِدْر والفأس والقَصْعة٣. فالماعون اسمٌ جامعٌ لجميع ما يُنتفَع به، فذكر بعض السلف هذا للسائل تمثيلًا وتنبيهًا بالأدنى على الأعلى، فإذا كان الويل لمن منع هذا،
(١) نسبه الثعلبي في «الكشف والبيان» (١٢/ ٣٢٧) لعطية وأبي روق. ونسبه ابن الجوزي في «زاد المسير» (٣/ ١٨٧) لأبي رزين. وعدَّه ابن قتيبة في «غريب القرآن» (ص ٥) من منكَر التأويل ومنحول التفسير، وقال السمعاني في «تفسيره» (٢/ ١٧٧): «وفي شواذ التفاسير: أنه المشط، ولُبْس النعل».
(٢) نسبه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٣٠/ ٢١٢) لعبد الله بن عمر ﵄.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (٢/ ٣٩٩) وسعيد بن منصور في «التفسير» (٢٥٢٨ - ٢٥٣٠) والطبري في «التفسير» (٢٤/ ٦٦٨ - ٦٧٤) وغيرهم عن عبد الله بن مسعود ﵁. وأخرجه الطبري في «التفسير» (٢٤/ ٦٧٤ - ٦٧٥) عن عبد الله بن عباس ﵄. وأخرجه الطبري في «التفسير» (٢٤/ ٦٧٧) عن علي بن أبي طالب ﵁. وينظر «الدر المنثور» (١٥/ ٦٩٠ - ٦٩١).
فكيف بمن منع ما الحاجة إليه أعظم؟! وإذا كان العبد يُسأل عن شُكر الماء البارد، فكيف بما هو أعظم نعيمًا منه؟!
وفي قوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي اِلدُّنْيا حَسَنَةً﴾[البقرة: ١٩٩] إنها المرأة الموافقة٢.
فهذا كله من التمثيل للمعنى العام ببعض [ب ٩٢ ب] أنواعه. فإن أراد القائل «إن الأدلة اللفظية موقوفةٌ على عدم التخصيص» أنها موقوفةٌ على عدم قصرها على هذا وأشباهه، فنَعَمْ هي غير مقصورةٍ عليه، ولا مختصةٍ به، ولا يُقال لفهم هذه الأنواع منها تخصيصًا.
ونظير هذا ما يذكره كثيرٌ من المفسرين في آياتٍ عامَّةٍ أنها في قومٍ مخصوصين من المؤمنين والكفار والمنافقين، وهذا تقصيرٌ ظاهرٌ منهم، وهَضْم لتلك العمومات المقصود عمومها. وكأن الغلط في ذلك إنما عرض من جهة أن أقوامًا في عصر الرَّسول - صلوات الله وسلامه عليه - قالوا أقوالًا وفعلوا أفعالًا في الخير والشر، فنزلت بسبب الفريقين آياتٌ، حَمِدَ الله فيها المحسنين، وأثنى عليهم، ووعدهم جزيل ثوابه، وذمَّ المسيئين، ووعدهم
(١) وهو قول الشعبي، ينسبه السيوطي في «الدر المنثور» (١٢/ ٢٩٧) لابن أبي حاتم.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم في «التفسير» (٢/ ٣٥٨، ٥/ ١٥٧٧) عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: «المرأة الصالحة من الحسنات». ونسبه أبو المظفر السمعاني في «التفسير» (١/ ٢٠٤) والبغوي في «التفسير» (١/ ٢٣٢) لعلي بن أبي طالب ﵁.