وكذلك يقولون في قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشْبٌ مُّسَنَّدَةٌ﴾[المنافقون: ٤]: إن المراد به عبد الله بن أُبيٍّ، وكان من أحسن [ب ٩٣ أ] النَّاس جسمًا٢. والصواب أن اللفظ عامٌّ فيمن اتصف بهذه الصِّفات، وهي صحة الجسم وتمامه، وحُسْن الكلام وخُلُوُّه من روح الإيمان ومحبَّة الهدى وإيثاره، كخلوِّ الخُشُب المقطوعة التي قد تساند بعضها إلى بعضٍ من روح الحياة التي يعطيها النموَّ أو الزيادة والثمرة، واتصافُهم بالجُبْن والخَوَر الذي يَحسِب صاحبُه أن كل صيحةٍ عليه، فمن التقصير الزَّائد أن يُقال: إن المراد بهذا اللفظ هو عبد الله بن أُبيٍّ.
ومن هذا قولهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ اَلزَّقُّومِ ٤٣ طَعَامُ اُلْأَثِيمِ﴾[الدخان: ٤٣ - ٤٤]: إنه أبو جهل بن هشام٣.
وكذلك في قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلّى ٣١ وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾[القيامة: ٣١، ٣٢]: إنه أبو جهل٤.
(١) أخرج الطبري في «التفسير» (١٣/ ٥٨٦) وغيره عن أبي بشر قال: قلت لسعيد بن جبير: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ اُلْكِتَابِ﴾ أهو عبد الله بن سلام؟ قال: هذه السورة مكية، فكيف يكون عبد الله بن سلام؟!
(٢) أخرجه البخاري (٤٩٠٣) عن زيد بن أرقم ﵁.
(٣) أخرجه الطبري في «التفسير» (٢١/ ٥٤) عن ابن زيد.
(٤) قاله مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٤/ ٥١٣). ونسبه الواحدي في «التفسير البسيط» (٢٢/ ٥٢٣) لابن عباس والكلبي وغيرهما.
وكذلك في قوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾[المطففين: ٢٩] إلى آخرها١.
وكذلك قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾[القلم: ١٠ - ١١] إلى آخرها: إنه الوليد بن المغيرة٢.
وكذلك قوله: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾[لقمان: ٥]: إنه النضر بن الحارث٣.
وفي قوله: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ اِلْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾[البقرة: ٧]: إنها في أناسٍ معيَّنين٤.
وأضعاف ذلك ممَّا إذا طرق سمع كثيرٍ من النَّاس ظنَّ أن هذا شيءٌ أُريد به هؤلاء، ومضى حكمه، وبَقِيَ لفظُه وتلاوته، حتى قال بعض مَن قدَّم العقل على النقل وقد احتُجَّ عليه بشيءٍ من القرآن: دعني من كلام قيل في أُناسٍ
(١) قال القرطبي في «الجامع» (١٩/ ٢٦٧): «﴿إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وصف أرواح الكفار في الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم، والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روى ناس عن ابن عباس قال: هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث».
(٢) قاله مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٤/ ٤٠٤).
(٣) قاله مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٣/ ٤٣٢). ونسبه الواحدي في «التفسير البسيط» (١٨/ ٩٢) وغيره للكلبي أيضًا.
(٤) أخرجه الطبري في «التفسير» (١/ ٢٧٥) وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٤٢) عن ابن عباس قال: «يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم». وقال الطبري: وقد سُمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أُبي بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهةَ إطالة الكتاب بذكرهم».