الصواعق المرسلة

وكذلك في قوله: ﴿إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ اَلَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين: ٢٩] إلى آخرها١.

وكذلك قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١١] إلى آخرها: إنه الوليد بن المغيرة٢.

وكذلك قوله: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ اَلْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٥]: إنه النضر بن الحارث٣.

وفي قوله: ﴿وَمِنَ اَلنَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ اِلْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٧]: إنها في أناسٍ معيَّنين٤.

وأضعاف ذلك ممَّا إذا طرق سمع كثيرٍ من النَّاس ظنَّ أن هذا شيءٌ أُريد به هؤلاء، ومضى حكمه، وبَقِيَ لفظُه وتلاوته، حتى قال بعض مَن قدَّم العقل على النقل وقد احتُجَّ عليه بشيءٍ من القرآن: دعني من كلام قيل في أُناسٍ

  1. (١) قال القرطبي في «الجامع» (١٩/ ٢٦٧): «﴿إِنَّ اَلَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وصف أرواح الكفار في الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم، والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روى ناس عن ابن عباس قال: هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث».
  2. (٢) قاله مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٤/ ٤٠٤).
  3. (٣) قاله مقاتل بن سليمان في «تفسيره» (٣/ ٤٣٢). ونسبه الواحدي في «التفسير البسيط» (١٨/ ٩٢) وغيره للكلبي أيضًا.
  4. (٤) أخرجه الطبري في «التفسير» (١/ ٢٧٥) وابن أبي حاتم في «التفسير» (١/ ٤٢) عن ابن عباس قال: «يعني المنافقين من الأوس والخزرج ومن كان على أمرهم». وقال الطبري: وقد سُمي في حديث ابن عباس هذا أسماؤهم عن أُبي بن كعب، غير أني تركت تسميتهم كراهةَ إطالة الكتاب بذكرهم».
403

مضوا وانقرضوا.

ومَن تأمَّل خطاب القرآن وألفاظه وجلالة المتكلِّم به وعظمة ملكه وما أراد به من الهداية العامة لجميع الأُمم قرنًا بعد قرنٍ إلى آخر الدهر، وأنه جعله إنذارًا لكل من بلغه من المكلفين، لم يَخْفَ عليه أن خطابه العامَّ إنما جُعل بإزاء أفعال حسنة محمودة، وأخرى قبيحة مذمومة، وأنه ليس منها فعل إلَّا والشركة فيه موجودة أو ممكنة، وإذا كانت الأفعال مشتركة كان الوعد والوعيد المعلَّق بها مشتركًا. ألا ترى أن الأفعال التي حُكيت عن أبي جهل بن هشام والوليد بن المغيرة والعاص بن وائل وأضرابهم، وعن عبد الله بن أُبيٍّ وأضرابه كان لهم فيها شركاءُ كثيرون حكمهم فيها حكمهم؟!

ولهذا عدل الله سبحانه عن ذِكْرهم بأسمائهم وأعيانهم إلى ذِكْر أوصافهم وأفعالهم وأقوالهم؛ لئلا يَتوهَّم متوهِّم اختصاص الوعيد بهم، وقَصْره عليهم، وأنه لا يجاوزهم، [ب ٩٣ ب]. فعلَّق سبحانه الوعيد على الموصوفين بتلك الصِّفات دون أسماء من قامت به إرادةً لتعميم الحكم وتناوله لهم ولأمثالهم ممَّن هو على مثل حالهم.

وهكذا الحكم فيمن أثنى عليه ومدحه بما صدر منه من قولٍ أو فعلٍ، عدل سبحانه عن ذِكْره باسمه وعينه إلى ذِكْره بوصفه وفعله؛ ليتناول المدح لمن شَرَكه في ذلك من سائر النَّاس. فإذا حمل السَّامع قوله: ﴿وَاَلَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٣٢] وقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: ١٨] ونظائرهما على أبي بكر الصدِّيق أو علي بن أبي طالب، فقد ظلم اللفظ والمعنى، وقصَّر به غاية

404

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي