الصواعق المرسلة

ووجودها في آنٍ واحدٍ مستحيل، فجعلوه علة ثابتة لما هو ممتنع الوجود في غير وقته، وهذا قول الفلاسفة. فقابلهم المتكلمون في ذلك، ولم يجعلوا الفعل ممكنًا له في الأزل بحالٍ، ولم يُفرِّقوا بين نوع الفعل وعينه. وخالف الفريقان صريح العقل.

فتأمَّلْ قول الفريقين في الموجِب بالذَّات والفاعل بالاختيار، كيف تجدهم قد خرجوا فيه عن صريح العقل، وقالوا ما يشهد العقل ببطلانه.

وتأمَّلْ قولهم في أن الواحد لا يصدر عنه إلَّا واحد، كيف خرجوا عن صريح العقل في المصدر والصَّادر عنه.

وتأمَّلْ قولهم في إنكار قيام الأفعال الاختيارية به سبحانه التي ترجموها بمسألة حلول الحوادث، كيف خرجوا فيها عن المعقول الصريح، وكابروه أَبيَنَ مكابرة، والتزموا لأجله تعطيل الحيِّ الفعَّال عن كل فعلٍ، والتزموا لأجله حصول مفعول بلا فعل، ومخلوق بلا خلق، فإن الفعل عندهم عين المفعول، والخلق نفس المخلوق. وهذا مكابرة لصريح العقل.

وتأمَّلْ خروجهم عن العقل الصريح في إنكار الحِكَم والغايات التي يفعل الربُّ تعالى لأجلها ما يفعل.

وتأمَّلْ خروجهم عن صريح العقل بتجويزهم رؤية الشيء في غير جهة من الرَّائي١ يرى عيانًا لا فوق الذَّاتي ولا تحته، ولا خلفه ولا أمامه، ولا عن

  1. (١) من قوله: «وتأمل خروجهم عن صريح العقل» إلى هنا بياض في «ب»، وكتب الناسخ في خلاله: «سقط من هاهنا شيء». ثم جاءت هذه العبارة بعد قوله: «والتعلق أمر عدمي» في الفقرة التالية، وتحرف فيها «الرائي» إلى «الذاتي» ووضعها هنا أليق وأنسب، والله أعلم.
421

يمينه ولا عن يساره، ثم زادوا جواز تعلُّق الرؤية بكل موجودٍ من الأصوات والروائح والمعاني، وتعلُّق الإدراكات الخمس بذلك، فجوَّزوا سماع الرَّائحة، وشمَّ الأصوات، وسماع الطعوم، فخرجوا عن صريح المعقول، كما خرجوا عن صحيح المنقول: أن المسلمين يرون ربهم من فوق.

وتأمَّلْ خروجهم عن صريح العقل في مسألة الطفرة والأحوال والكسب ومسألة النبوات، وأن النبوة لا ترجع إلى صفةٍ وجوديةٍ، وإنما هي تعلُّق الخطاب القديم بالنبي١، والتعلق أَمْرٌ عدميٌّ، وقولهم بأن المتولدات لا فاعلَ لها، وقولهم بأن الله مريد بإرادة يَخلُقها لا في محلٍّ. فخالفوا صريح العقل من وجهين: من إثبات كونه مريدًا من غير قيام صفة الإرادة به، ومن جعلهم صفة الإرادة قائمة [ب ٩٩ ب] بغير محلٍّ.

ومن ذلك خروجهم عن صريح العقل في قولهم: إن الربَّ تعالى عالمٌ بلا عِلْمٍ، سميعٌ بلا سَمْعٍ، بصيرٌ بلا بصرٍ، قادرٌ بلا قدرةٍ، حيٌّ بلا حياةٍ. فأنكر ذلك عليهم طوائفُ العقلاء، ففرَّ بعضهم إلى أن قال: عِلْمُه وسمعه وبصره وقدرته وحياته هي ذاته. وقال أعقلهم عند نفسه وعند أتباعه: إنه سبحانه عِلْمٌ كله، وقدرةٌ كله، وحياةٌ كله، وسَمْعٌ كله، وبصرٌ كله.

إلى أضعاف أضعاف ما ذَكَرْنا من أقوالهم التي خرجوا فيها عن صريح العقل. فهل تجد في نصوص الوحي التي عارضوا فيها بين العقل والنقل مثل ذلك أو قريبًا منه؟! فتأمَّلْها وتأمَّلْ أقوالهم تعلمْ أيَّ النوعين معه العقل، ومن الذي خرج عن صريحه! وبالله التوفيق٢.

  1. (١) «ب»: «بالشيء». والمثبت هو الصواب.
  2. (٢) آخر الموجود من النسخة «ب» وكتب الناسخ: «تم، بلغ بحمد الله مقابلة حسب الطاقة». ومن فضل الله أنه هنا انتهى السقط الواقع في «ح». فاتصل الكلام بحمد الله تعالى.
422

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي