الصواعق المرسلة

الوجه الأربعون: أن الأدلة القاطعة قد قامت على صِدْق الرَّسول صلوات الله وسلامه عليه في كل ما يُخبر به، ودلالتُها على صدقه أبين وأظهر من دلالة تلك الشُّبه العقلية على نقيض ما أخبر به عند كافة العقلاء، ولا يستريب في ذلك إلَّا مَؤُوف١ في عقله، مصاب في قلبه وفِطْرته.

فأين الشُّبه النَّافية لعلوِّ الله على خلقه وتكلُّمه بمشيئته وتكليمه لخلقه٢، ولصفات كماله ولرؤيته بالأبصار في الدَّار الآخرة، ولقيام أفعاله به إلى براهين نبوَّته وصدقه التي زادت على الألف، وتنوَّعت كل تنوُّعٍ.

فكيف يقدح في البراهين العقلية الضرورية بالشُّبه الخيالية المتناقضة إلَّا مَن هو مِن أفسد النَّاس عقلًا ونظرًا، وهل ذلك إلَّا مِن جِنْس الشُّبه التي أوردوها في التشكيك في الحسيات والبديهيات، فإنها وإن عجز كثيرٌ من النَّاس عن حلِّها فهم يعلمون أنها قدحٌ فيما٣ علموه بالحس والاضطرار، فمَن قدر على حلِّها وإلَّا لم يتوقَّف جزمه بما علمه بحسِّه٤ واضطراره على حلِّها، وكذلك الحال في الشُّبه التي عارضت ما أخبر به الرَّسول سواء، فإن المُصَدِّق به وبما جاء به يعلم أنها لا تقدح في صِدْقه ولا في الإيمان به، وإن

  1. (١) أي: مصاب، يقال: إِيفَ الزرعُ - كقيل - أي: أصابته آفةٌ، فهو مَؤُوفٌ، مثال مَعُوفٍ. «الصحاح» (٤/ ١٣٣٣) و«تاج العروس» (١٢/ ٩٧).
  2. (٢) «ح»: «بخلقه». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «في». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «عمله بحسنة». والمثبت من «م».
423

عجز عن حلِّها، فإن تصديقَه بما جاء به الرَّسول ضروري، وهذه الشُّبه عنده لا تُزِيل ما عَلِمَه بالضرورة؛ فكيف إذا تبيَّن بطلانها على التفصيل؟! يوضحه:

الوجه الحادي والأربعون: وهو أن الرَّسول - صلوات الله وسلامه عليه - بيَّن مراده، وقد تبيَّن لنا أكثر ممَّا تبيَّن لنا كثيرٌ من دقائق المعقولات الصحيحة، فمعرفتنا بمراد الرَّسول من كلامه فوق معرفتنا بتلك الدقائق إذا كانت صحيحةَ المقدِّمات في نفسها، صادقةَ١ النتيجة غيرَ كاذبة، فكيف إذا كان الأمر فيها بخلاف ذلك، فتلك التي تُسمَّى معقولات قد تكون خطأ، ولكن لم يُتفطَّن لخطئها.

وأمَّا كلام المعصوم فقد قام البرهان القاطع على صدقه، وأنه حقٌّ، ولكن قد يحصل الغلط في فهمه، فيُفهم منه ما يخالف صريح العقل، فيقع التعارض بين ما فُهم من النقل وبين ما اقتضاه صريح العقل، فهذا لا يُدفع، ولكن إذا تأمَّلَه مَن وهبه الله حُسن القصد وصحَّة التصوُّر تبيَّن له أن المعارضة واقعة بين ما فهمه النُّفاة من النصوص وبين العقل الصريح، وأنها غير واقعةٍ بين ما دلَّ عليه النقل وبين العقل.

ومَن أراد معرفة هذا فليوازِنْ بين مدلول النصوص وبين العقل الصريح ليبين له مطابقة أحدهما للآخر، ثم يوازن بين أقوال النُّفاة وبين العقل الصريح؛ فإنه يعلم حينئذٍ أن النُّفاة أخطؤوا خطأينِ: خطأ على السمع، فإنهم٢ فهموا منه خلاف مراد المتكلِّم. وخطأ على العقل بخروجهم عن حُكْمِه. فخرجوا عن العقل والسمع جميعًا.

  1. (١) «ح»: «صادقًا». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «فإن». والمثبت من «م».
424

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي