الصواعق المرسلة

الثَّاني: أنه نبَّههم على أعظم الآيات وأشدها اقتضاءً للإيمان١، وأنها في اقتضائها للإيمان أبلغ من الآيات التي تقترحونها، وهي كتابه الذي هو ذِكْره وما تضمَّنه من الحقِّ الذي تطمئنُّ إليه القلوب وتَسكُن إليه النفوس. ولو كان باطلًا لم يزد القلوب إلَّا شكًّا وريبًا، فإن الكذب ريبةٌ، والصدق طُمأنينةٌ. فلو كانت كلماته وألفاظه لا تُفيد اليقين بمدلولها لم تطمئنَّ به القلوب، فإن الطمأنينة هي سكون القلب إلى الشيء ووثوقه به، وهذا لا يكون إلَّا مع اليقين، بل هو اليقين بعينه.

ولهذا تجد قلوب أصحاب الأدلة السمعية مطمئنة بالإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله وملائكته واليوم الآخر، لا يضطربون في ذلك، ولا يتنازعون فيه، ولا يَعرِض لهم الشك عند الموت، ولا يشهدون على أنفسهم ويشهدون على غيرهم بالحَيْرة والوقوف والشك. فيكفي في صحة مدلول٢ الأدلة اللفظية وبطلان٣ مدلول الشُّبه العقلية التي تخالفها هذا القدرُ وحده، فمتى رأيت أصحاب الأدلة السمعية يقول أحدهم عند الموت٤:

نِهَايَةُ إِقْدَامِ العُقُولِ عِقَالُ

أو يقول٥:

لَعَمْرِي لَقَدْ طُفْتُ المَعَاهِدَ كُلَّهَا

  1. (١) «ح»: «الإيمان». والمثبت هو الصواب، كما هو في العبارة التالية.
  2. (٢) «ح»: «مدلولها». والصواب ما أثبته.
  3. (٣) «ح»: «بطلانها». والصواب ما أثبته.
  4. (٤) صدر بيت أنشده الفخر الرازي في أبيات، وتقدَّم تخريجها (ص ١٧).
  5. (٥) صدر بيت أنشده الشهرستاني هو وبيت آخر، وتقدم تخريجهما (ص ١٦).
431

أو يقول١:

فِيكَ يَا أُغْلُوطَةَ الْفِكَر

أو يقول: «والله ما أدري على أي عقيدةٍ أموت»٢.

إلى أضعاف أضعاف ذلك من أحوال أصحاب الشُّبه العقلية. وبالله التوفيق.

الوجه التَّاسع والأربعون: قوله: «إن العلم بمدلول الأدلة اللفظية موقوفٌ على نقل اللغة» كلام ظاهرُ البطلان، فإن دلالة القرآن والسُّنَّة على معانيهما٣ من جنس دلالة لغة كل قومٍ على ما يعرفونه ويعتادونه من تلك اللغة. وهذا لا يختصُّ العرب، بل هو أمر ضروري لجميع بني آدم، يتوقَّف العلم بمدلول ألفاظهم على كونهم من أهل تلك اللغة التي وقع بينهم بها التخاطُب، ولهذا لم يُرسل الله رسولًا إلَّا بلسان قومه ليبيِّن لهم، فتقوم عليهم الحجة بما فَهِمُوه من خطابه لهم.

فدلالة اللفظ هي: العلم بقصد المتكلِّم به. ويراد بالدلالة أمران: نقلُ الدَّالِّ، وكونُ اللفظ بحيث يُفهِم معنًى. ولهذا يُقال: دلَّه بكلامه دلالةً، ودلَّ الكلامُ على هذا دلالةً. فالمتكلم دالٌّ بكلامه، وكلامه دالٌّ بنظامه. وذلك يُعرف من عادة المتكلم في ألفاظه، فإذا كانت عادته أنه يعني٤ بهذا اللفظ هذا المعنى، عَلِمْنا متى خاطَبَنا به أنه أراده من وجهين:

  1. (١) صدر بيت أنشده ابن أبي الحديد في أبيات، وتقدم تخريجها (ص ٣٧١).
  2. (٢) لم أقف على قائله.
  3. (٣) «ح»: «معانيها». والمثبت من «م».
  4. (٤) «ح»: «قضى». والمثبت من «م».
432

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي