الصواعق المرسلة

مع القرينة، أمَّا مع عدمها فلا، والمراد معلوم على التقديرين. يُوضِّحه:

الوجه السَّابع والخمسون: أن غاية ما يُقال: إن في القرآن ألفاظًا استُعملت في معانٍ لم تكن تعرفها العرب، وهي الأسماء الشرعية: كالصلاة والزكاة والصيام والاعتكاف ونحوها، والأسماء الدينية كالإسلام والإيمان والكفر والنفاق ونحوها، وأسماء مُجْمَلة لم يُرَدْ ظاهرها كالسَّارق والسَّارقة والزَّاني والزَّانية ونحوه، وأسماء مشتركة كالقُرء وعسعس ونحوهما، فهذه الأسماء لا تفيد اليقين بالمراد منها.

فيقال هذه الأسماء جارية في القرآن ثلاثة أنواع:

نوع بيانه معه: فهو مع بيانه١ يُفيد اليقين بالمراد منه.

ونوع بيانه في آية أخرى: فيُستفاد اليقين بالمراد من مجموع الآيتين٢.

ونوع بيانه موكول٣ إلى الرَّسول ﷺ: فيُستفاد اليقين من المراد منه ببيان الرَّسول.

ولم نَقُلْ نحن ولا أحدٌ من العقلاء إن كل لفظٍ فهو مفيدٌ لليقين بالمراد منه بمجرده من غير احتياج إلى لفظٍ آخَرَ متصل به أو منفصلٍ عنه؛ بل نقول: إن مراد المتكلم يُعلم من لفظه المجرَّد تارةً، والمقرون تارةً، ومنه ومن لفظ آخر يفيدان اليقين بمراده تارةً، ومنه ومن بيانٍ آخر بالفعل أو القول يُحيل المتكلم عليه تارةً. وليس في القرآن خطابٌ أُريد منه العلم بمدلوله إلَّا وهو

  1. (١) «ح»: «بيان». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «الاثنين». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «موكولا». والمثبت من «م».
440

داخل في هذه الأقسام.

فالبيان المقترن كقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ اُلْخَيْطُ اُلْأَبْيَضُ مِنَ اَلْخَيْطِ اِلْأَسْوَدِ مِنَ اَلْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٦] وكقوله: ﴿لَّا يَسْتَوِي اِلْقَاعِدُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي اِلضَّرَرِ وَاَلْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اِللَّهِ﴾ [النساء: ٩٤] وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٣] ونظائر ذلك.

والبيان المنفصل كقوله: ﴿* وَاَلْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣١] وقوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان: ١٣] مع قوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٤]، فأفاد مجموع اللفظينِ البيان بأن مدة الحمل ستة أشهر.

وكذلك قوله: ﴿وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا اَلسُّدُسُ﴾ [النساء: ١٢] مع قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اِللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي اِلْكَلَالَةِ﴾ الآية [النساء: ١٧٥] أفاد مجموع النصَّيْن العلم بالمراد من الكلالة، وأنه مَن لا ولد له وإن سَفَلَ ولا والد له وإن عَلَا.

وكذلك قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٥] مع قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] أفاد مجموع الخطابين [أنه]١ في الرجعيات دون البوائن.

ومنه قوله: ﴿وَاَلَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ ١٧ وَاَلصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ [التكوير: ١٧ - ١٨] مع قوله: ﴿كَلَّا وَاَلْقَمَرِ ٣٢ وَاَلَّيْلِ إِذَا دَبَرَ ٣٣ وَاَلصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ﴾ [المدثر: ٣٢ - ٣٤] فإن مجموع الخطابين يفيدان العلم بأن الربَّ سبحانه أقسم بإدبار هذا وإقبال

  1. (١) زيادة يقتضيها السياق.
441

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي