وهو قولهم: إن تعارَضَ العقل والنقل وجب تقديم العقل؛ لأنه لا يمكن الجمع بينهما ولا إبطالهما ولا تقديم النقل؛ لأن العقل أصل النقل، فلو قدَّمنا عليه النقل لبطل العقل، وهو أصل النقل، فلزم بطلان النقل، فيلزم من تقديم النقل بطلان العقل والنقل، فتعيَّن القسم الرَّابع، وهو تقديم العقل.
فهذا الطَّاغوت أخو ذلك القانون، فهو مبنيٌّ على ثلاث مقدمات:
الأولى: ثبوت التعارُض بين العقل والنقل.
الثَّانية: انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة التي ذُكرت فيه.
الثَّالثة: بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت الرَّابع.
وقد أشفى شيخ الإسلام في هذا الباب بما لا مَزِيدَ عليه، وبَيَّنَ بطلانَ هذه الشُّبهة وكَسَّرَ هذا الطَّاغوت في كتابه الكبير٢. ونحن نشير إلى كلماتٍ يسيرةٍ هي قطرة من بحره تتضمن٣ كسره ودحضه، وذلك يظهر من وجوهٍ:
الوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يُقال: إذا تعارَضَ دليلان سمعيَّان أو عقليان٤ أو سمعيٌّ وعقليٌّ فإمَّا أن
(١) «ح»: «الفصل».
(٢) «درء التعارض» (١/ ٧٨) وما بعدها.
(٣) «ح»: «يتضمن». والمثبت من «م».
(٤) «ح»: «سمعيين أوعقليين». والمثبت من «م».
يكونا١ قطعيَّيْن، وإمَّا أن يكونا ظنِّييْن، وإمَّا أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا.
فأمَّا القطعيان فلا٢ يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارَضا لَزِمَ الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشكُّ فيه أحدٌ من العقلاء.
وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعيِّ، سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا. وإن كانا جميعًا ظنييْن صرنا إلى الترجيح، ووجب تقديم الرَّاجح منهما، سمعيًّا كان أو عقليًّا.
فهذا تقسيمٌ واضحٌ٣ متفَقٌ على مضمونه بين العقلاء. فأمَّا إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقًا فخطأٌ واضحٌ، معلوم الفساد عند العقلاء.
الوجه الثَّاني: أن قوله: «إذا تعارض العقل والنقل» فإمَّا أن يريد٤ به القطعيين فلا نُسلِّم إمكان التعارض، وإمَّا أن يريد به الظنييْن فالتقديم للراجح مطلقًا، وإمَّا أن يريد ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي٥ هو المقدَّم مطلقًا، فإذا قُدِّرَ أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي، لا لأنه عقلي. فعُلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأٌ، وأن جعْل جهة