الصواعق المرسلة

يكونا١ قطعيَّيْن، وإمَّا أن يكونا ظنِّييْن، وإمَّا أن يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا.

فأمَّا القطعيان فلا٢ يمكن تعارضهما في الأقسام الثلاثة؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارَضا لَزِمَ الجمع بين النقيضين، وهذا لا يشكُّ فيه أحدٌ من العقلاء.

وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعيِّ، سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا. وإن كانا جميعًا ظنييْن صرنا إلى الترجيح، ووجب تقديم الرَّاجح منهما، سمعيًّا كان أو عقليًّا.

فهذا تقسيمٌ واضحٌ٣ متفَقٌ على مضمونه بين العقلاء. فأمَّا إثبات التعارض بين الدليل العقلي والسمعي والجزم بتقديم العقلي مطلقًا فخطأٌ واضحٌ، معلوم الفساد عند العقلاء.

الوجه الثَّاني: أن قوله: «إذا تعارض العقل والنقل» فإمَّا أن يريد٤ به القطعيين فلا نُسلِّم إمكان التعارض، وإمَّا أن يريد به الظنييْن فالتقديم للراجح مطلقًا، وإمَّا أن يريد ما يكون أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا، فالقطعي٥ هو المقدَّم مطلقًا، فإذا قُدِّرَ أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي، لا لأنه عقلي. فعُلم أن تقديم العقلي مطلقًا خطأٌ، وأن جعْل جهة

  1. (١) «ح»: «يكون». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «ولا». والمثبت من «م».
  3. (٣) «م»: «راجح».
  4. (٤) «ح»: «أريد». والمثبت من «م».
  5. (٥) «ح»: «فاللفظي».
474

الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التَّأخير والاطِّراح كونه نقليًّا خطأ.

الوجه الثَّالث: أنَّا لا نُسلِّم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة، إذ من الممكن أن يُقال: يُقدَّم العقلي تارةً، والسمعي تارةً، فأيهما كان قطعيًّا قُدِّم. فدعواه أنه لا بد من تقديم العقل مطلقًا أو السمع مطلقًا أو اعتبار الدليلين معًا أو إلغائهما معًا دعوى كاذبة، بل هاهنا قسمٌ غير هذه الأقسام وهو الحقُّ، وهو ما ذكرناه.

الوجه الرَّابع: قوله: «إنْ قدَّمنا النقل لَزِمَ الطعن» فحاصله ممنوعٌ، فإن قوله: «العقل أصل١ النقل» إمَّا أن يريد به أنه أصلٌ في ثبوته في نفس الأمر، أو أصلٌ في علمنا بصحَّته. فالأول لا يقوله عاقلٌ، فإن ما هو ثابتٌ في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به؛ فعدم عِلْمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصَّادق المصدوق هو ثابتٌ في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدَّقه النَّاس أو لم يصدِّقوه، كما أنه رسول الله حقًّا وإن كذَّبه مَن كذَّبه، كما أن وجود الربِّ تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حقٌّ، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فلا يتوقَّف ذلك على وجودنا٢، فضلًا عن علومنا وعقولنا. فالشرع المنزَّل من عند الله مستغنٍ في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه، وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإذا علم العقل ذلك حصل له كمالٌ لم يكن قبل ذلك، وإذا فقده٣ كان ناقصًا جاهلًا.

وأمَّا إن أراد أن العقل أصلٌ في معرفتنا بالسمع ودليلٌ على صِحَّته، وهذا

  1. (١) «ح»: «أما». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «وجوده». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «قصده». والمثبت من «م».
475

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي