الصواعق المرسلة

الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التَّأخير والاطِّراح كونه نقليًّا خطأ.

الوجه الثَّالث: أنَّا لا نُسلِّم انحصار القسمة فيما ذكره من الأقسام الأربعة، إذ من الممكن أن يُقال: يُقدَّم العقلي تارةً، والسمعي تارةً، فأيهما كان قطعيًّا قُدِّم. فدعواه أنه لا بد من تقديم العقل مطلقًا أو السمع مطلقًا أو اعتبار الدليلين معًا أو إلغائهما معًا دعوى كاذبة، بل هاهنا قسمٌ غير هذه الأقسام وهو الحقُّ، وهو ما ذكرناه.

الوجه الرَّابع: قوله: «إنْ قدَّمنا النقل لَزِمَ الطعن» فحاصله ممنوعٌ، فإن قوله: «العقل أصل١ النقل» إمَّا أن يريد به أنه أصلٌ في ثبوته في نفس الأمر، أو أصلٌ في علمنا بصحَّته. فالأول لا يقوله عاقلٌ، فإن ما هو ثابتٌ في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به؛ فعدم عِلْمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصَّادق المصدوق هو ثابتٌ في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدَّقه النَّاس أو لم يصدِّقوه، كما أنه رسول الله حقًّا وإن كذَّبه مَن كذَّبه، كما أن وجود الربِّ تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حقٌّ، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، فلا يتوقَّف ذلك على وجودنا٢، فضلًا عن علومنا وعقولنا. فالشرع المنزَّل من عند الله مستغنٍ في نفسه عن علمنا وعقلنا، ولكن نحن محتاجون إليه، وإلى أن نعلمه بعقولنا، فإذا علم العقل ذلك حصل له كمالٌ لم يكن قبل ذلك، وإذا فقده٣ كان ناقصًا جاهلًا.

وأمَّا إن أراد أن العقل أصلٌ في معرفتنا بالسمع ودليلٌ على صِحَّته، وهذا

  1. (١) «ح»: «أما». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «وجوده». والمثبت من «م».
  3. (٣) «ح»: «قصده». والمثبت من «م».
475

هو مراده. فيقال له: أتعني بالعقل هنا القوة والغريزة التي فينا، أم العلوم المستفادة بتلك الغريزة؟

فالأول: لم تُرِدْه، وتمتنع إرادته؛ لأن تلك الغريزة ليست علمًا يمكن معارضته للنقل، وإن كانت شرطًا في كل علمٍ عقليٍّ أو سمعيٍّ، وما كان شرطًا في الشيء امتنع أن يكون منافيًا له.

وإن أردت العلم والمعرفة الحاصلة١ بالعقل، قيل لك: ليس كل ما يُعرف بالعقل يكون أصلًا للسمع ودليلًا على صحَّته، فإن المعارف العقلية أكثر من أن تُحصر، والعلم بصحة السمع غايته أن يتوقف على ما به يُعلم صدق [ق ٤٤ أ] الرَّسول من العقليات، وليس كل العلوم العقلية يُعلم بها صدق الرَّسول، بل ذلك يُعلم بالآيات والبراهين الدَّالة على صدقه.

فعُلم أن جميع المعقولات ليس أصلًا للنقل، لا بمعنى توقُّف٢ العلم بالسمع عليها، ولا بمعنى توقُّف ثبوته في نفس الأمر عليها، لا سيما وأكثر متكلمي أهل الإثبات كالأشعري - في أحد قولَيْه - وأكثر أصحابه يقولون: إن العلم بصدق الرَّسول٣ عند ظهور المعجزات الحادثة - [التي]٤ تجري [مَجرى]٥ تصديقه٦...................................................

  1. (١) «ح»: «الحاصل». والمثبت من «م».
  2. (٢) «ح»: «لمعنى يتوقف». والمثبت من «م».
  3. (٣) بعده في «ح»: «عنه».
  4. (٤) من «درء التعارض».
  5. (٥) من «درء التعارض» (١/ ٩٠).
  6. (٦) في «درء التعارض»: «تصديق الرسول».
476

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي