بالقول١ - [عِلْمٌ]٢ ضروريٌّ٣. فحينئذٍ ما٤ يتوقف عليه العلم بصدق الرَّسول من العلم العقلي سهلٌ يسيرٌ، مع أن العلم بصدقه له طرقٌ كثيرةٌ متنوعةٌ.
وحينئذٍ فإذا كان المعارض للسمع من المعقولات ما لا يتوقف العلم بصحة السمع عليه لم يكن القدح فيه قدحًا في أصل السمع، وهذا - بحمد الله - بيِّنٌ واضحٌ. وليس القدح في بعض العقليات قدحًا في جميعها، كما أنه ليس القدح في بعض السمعيات قدحًا في جميعها. فلا يلزم من صحة المعقولات التي يبنى عليها معرفتنا بالسمع صحة غيرها من المعقولات، ولا من فساد هذه فساد تلك، فلا يلزم من تقديم السمع على ما يُقال: إنه معقولٌ في الجملة القدحُ في أصله.
الوجه الخامس: أن يُقال: العقل إمَّا أن يكون عالمًا بصدق الرَّسول وثبوت ما أخبر به في نفس الأمر، وإمَّا ألَّا يكون عالمًا بذلك. وإن لم يكن عالمًا امتنع التعارُض عنه لأن المعقول إن كان معلومًا له لم يتعارَض معلومٌ ومجهولٌ، وإن لم يكن معلومًا لم يتعارض مجهولان. وإن كان عالمًا بصدق الرَّسول امتنع ألَّا يعلم ثبوت ما أَخبَر به في نفس الأمر، إذا علم أنه أَخبَر به وهو عالم بصدقه لزم ضرورة أن٥ يكون عالمًا بثبوت مخبره. وإن كان كذلك استحال أن يقع عنده دليلٌ يعارض ما أخبر به، ويكون ذلك المعارض
(٤) «فحينئذ ما» «ح»: «فيما». والمثبت من «درء التعارض».
(٥) بعده في «ح»: «لم». وليس في «م».
واجب التقديم؛ إذ مضمون ذلك أن يُقال: لا تعتقد ثبوت ما علمت أنه أخبر به؛ لأن هذا الاعتقاد ينافي ما علمت به أن المخبر صادقٌ، وحقيقة ذلك لا تصدقه في هذا الخبر؛ لأن تصديقه يستلزم عدم تصديقه. فيقول: وعدم تصديقي له فيه هو عين اللازم المحذور. فإذا قيل لي: لا تصدقه لئلا يلزم عدم تصديقه، كان كما لو قيل: كذِّبْه لئلا يلزم تكذيبه. فهكذا حال من أمر النَّاس ألَّا يُصدِّقوا الرَّسول فيما علموا أنه أخبر به بعد علمهم أنه رسول؛ لئلا يُفضي تصديقهم إلى عدم تصديقه. يوضحه:
الوجه السَّادس: وهو أن المنهي عنه من قبول هذا الخبر وتصديقه فيه هو عين المحذور، فيكون واقعًا في المنهي عنه، سواء أطاع أو عصى، ويكون تاركًا للمأمور به، سواء أطاع أو عصى، ويكون وقوعه في المخوف المحذور على تقدير الطَّاعة أعجل وأسبق منه على تقدير المعصية. والمنهي عنه على١ هذا التقدير هو التصديق، والمأمور به هو التكذيب، وحينئذٍ فلا يجوز النهي عنه، سواء كان محذورًا أو لم يكن، فإنه إن لم يكن محذورًا لم يَجُز أن ينهى عنه، وإن كان محذورًا فلا بد منه على التقديرين، فلا فائدة في النهي عنه.
الوجه السَّابع: أنه إذا قيل له: لا تصدقه في هذا، كان أمرًا له بما يناقض ما علم به صدقه، وكان أمرًا له بما يُوجب ألا يثق بشيءٍ من خبره؛ فإنه متى جوَّز كذبه أو غلطه في خبرٍ جوَّز ذلك في غيره، ولهذا آل الأمر بمن سلك هذه الطريق إلى أنهم لا يستفيدون من جهة الرَّسول شيئًا من الأمور الخبرية المتعلقة بصفات الله سبحانه وأفعاله، بل وباليوم الآخر عند بعضهم؛