الصواعق المرسلة

ولا حديث صاحب الطبيعة النَّاظر في آثارها واشتباك الأُسْتُقُصَّات١ وامتزاجها وقواها، وما يتعلق بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة، وما الفاعل منها وما المنفعل، وكم درجاتها، وإلى أين تسري قواها؟

ولا فيها حديث المهندس الباحث عن مقادير الأشياء ونقطها وخطوطها وسطوحها وأجسامها وأضلاعها وزواياها ومعاطفها، وما الكرة وما الدَّائرة وما الخط المستقيم والمنحني؟

ولا فيها هذيان المنطقيين وبحوثهم في النوع والجنس والفصل والخاصة والعَرَض العام والمقولات العشر٢ والمختلطات٣، والموجهات٤ الصَّادرة عن رجلٍ مشركٍ من يونان، كان يعبد الأوثان،

  1. (١) الأستقصات ويقال الأستقسات ويقال الأسطقسات: جمع الأستقس، وهو الشيء البسيط الذي منه يتركب المركب، كالحروف التي منها يتركب الكلام، وكالواحد الذي منه يتركب العدد، وقد يُسمى الأسطقس: الركن. والأسطقسات الأربعة هي: النار والهواء والماء والأرض. وتُسمى: العناصر. «مفاتيح العلوم» (ص ١٥٨ - ١٥٩) و«دستور العلماء» (٢/ ٢٧١).
  2. (٢) المقولات العشر: الجوهر والأعراض التسعة: الكم، والكيف، والأين، والمتى، والإضافة، والملك، والوضع، والفعل، والانفعال. «دستور العلماء» (٣/ ٢١٤).
  3. (٣) كذا في «ح»، «م»، وكذا ستأتي (ص ٥٤٥) أيضًا، ولا يوجد في كتب المنطق مصطلح المختلطات، فالأقرب أنه «المختلفات» أي: القضايا المختلفات.
  4. (٤) القضية الموجهة: عبارة عمَّا كانت النسبة الواقعة بين جزأَيْها مقرونة بالوجوب أو الإمكان أو الامتناع، كقولنا: واجب أن يكون، أو ممكن أن يكون، أو ممتنع أن يكون. «المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين» للآمدي (ص ٣٢٦).
487

ولا يعرف الرحمن، ولا يصدق بمعاد الأبدان، ولا أن الله يرسل رسولًا بكلامه إلى نوع الإنسان، فجعَلَ هؤلاء المعارضين بين العقل والنقل عقل هذا الرجل عيارًا على كتب الله المنزَّلة وما أَرسل به رسله، فما زكَّاه منطقه وآلته وقانونه الذي وضعه بعقله قَبِلوه، وما لم يزكِّه تركوه.

ولو كانت هذه الأدلة التي أفسدت عقول هؤلاء وأتباعهم، صحيحةً لكان صاحب الشريعة يُقوِّم شريعته بها ويكملها باستعمالها، وكان الله سبحانه يُنبِّه١ عليها، ويحضُّ على التمسُّك بها، ويتقدم إلى عباده بالتمسُّك بها وبعلمها٢ وتعليمها، ويفرض عليهم القيام بها.

فيا للعقول التي لم يخسف بها أين الدِّين من الفلسفة؟!

وأين كلام ربِّ العالمين إلى آراء اليونان والمجوس وعُبَّاد الأصنام والصَّابئين؟!

وأين المعقولات المؤيَّدة بنور النبوة إلى المعقولات المتلقاة عن أرسطو وأفلاطون والفارابي وابن سينا، وأتباع هؤلاء ممَّن لا يُؤمن بالله ولا صفاته ولا أفعاله ولا ملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر؟!

وأين العلم المأخوذ عن الوحي النَّازل من عند ربِّ العالمين إلى الشُّبه المأخوذة عن آراء المتهوكين والمتحيرين؟!

فإن أَدْلَوْا بالعقل٣ فلا عقل أكمل من عقول ورثة الأنبياء.

  1. (١) «ح»: «يثيبه». والمثبت من «م».
  2. (٢) كذا في «ح»، وربما كانت: «وتعلمها».
  3. (٣) أدلى بحجته: أحضرها. «أساس البلاغة» (١/ ٢٩٦).
488

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي