الصواعق المرسلة

النَّاس لا يُشفى بما يصفه الطبيب، بل يكون استعماله لما يصفه سببًا من أسباب هلاكه، وأن [من]١ أسباب الموت أغلاط الأطباء، فكم لهم من قتيلٍ أسكنوه المقابر بغلطهم وخطئهم، وإن كان خطأُ الطبيب إصابةَ المقادير.

وكيف لا يسلك هذا المسلك مع الرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم - وهم الصَّادقون المَصْدُوقون، ولا يجوز أن يكون خبرهم على خلاف ما أخبروا به، والذين عارضوا أقوالهم بعقولهم عندهم من الجهل والضلال المركب والبسيط ما لا يُحصيه إلَّا من هو بكل شيءٍ محيطٌ.

الوجه السَّادس عشر: أن يُقال: تقديم العقول على الأدلة الشرعية ممتنعٌ متناقضٌ، وأمَّا تقديم الأدلة الشرعية فهو ممكنٌ مؤتلفٌ، فوجب الثَّاني، وامتنع الأول.

بيانه: أن كون٢ الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلومٍ بالعقل ليس هو صفة لازمة لشيءٍ من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية الإضافية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه [بكر]٣ بعقله، وقد يعلم الإنسان في حال تعقُّله ما يجهله في وقتٍ آخر.

والمسائل التي يُقال قد تعارض فيها العقل والشرع جميعًا قد اضطرب فيها أرباب العقل، ولم يتفقوا فيها على أمرٍ واحدٍ، بل كلٌّ منهم يقول: إن

  1. (١) سقط من «ح».
  2. (٢) «ح»: «يكون». والمثبت من «درء التعارض» (١/ ١٤٥).
  3. (٣) «ح»: «ممكن». والمثبت من «درء التعارض».
494

العقل أَثبَتَ، أو أَوجَبَ، أو سوَّغَ ما يقول الآخر إن العقل نفاه، أو أحاله، أو منع منه. بل قد آل الأمر بينهم إلى التنازع فيما يقولون إنه من العلوم الضرورية، فيقول هذا: نحن نعلم بالضرورة العقلية ما يقول الآخر: إنه غير معلومٍ بالضرورة العقلية. وأبلغ من هذا أن يدَّعي بعضهم أن هذا مُحال بضرورة١ العقل، فيدَّعي الآخر أنه ممكن بضرورة العقل.

فأكثر العقلاء [ق ٤٦ ب] يقولون: نحن نعلم بضرورة العقل امتناع رؤيا مرئيٍّ من غير معاينةٍ ومقابلةٍ. ويقول آخرون من المنتسبين إلى المعقولات: بل ذلك ممكنٌ لا يُحيله العقل.

ويقول أكثر العقلاء: نحن نعلم أن حدوث حادثٍ بلا سبب حادث ممتنعٌ. ويقول آخرون: بل ذلك ممكن.

ويقول أكثر العقلاء: إن كون العالِم عالِمًا بلا علمٍ، وحيًّا بلا حياةٍ، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمعٍ ولا بصرٍ؛ مُحال بضرورة العقل. وآخرون يقولون: بل هو ممكنٌ غير مستحيلٍ، بل هو الواجب في حقِّ الله ﷿.

ويقول جمهور العقلاء: إن كون٢ المعنى الواحد أمرًا ونهيًا وخبرًا واستخبارًا ممتنع في ضرورة العقل. وآخرون يقولون: هو ممكنٌ واقعٌ.

وجمهور العقلاء يقولون: إن إثبات موجودَينِ قائمَينِ بأنفسهما ليس أحدهما مباينًا للآخر ولا محايثًا له، ولا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه، ولا متصلًا به ولا منفصلًا عنه؛ مكابرةٌ لصريح العقل. وآخرون يقولون: بل

  1. (١) «ح»: «بالضرورة».
  2. (٢) «ح»: «يكون». والمثبت من «درء التعارض» (١/ ١٤٥).
495

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي