ونحن نعلم قطعًا أن الرُّسل لا يُخبرون بمُحال١ العقول، وإن أخبروا بمحارات العقول٢، فلا يخبرون بما يُحيله العقل، وإن أخبروا بما يحار فيه العقل ولا يستقل بمعرفته.
ومن تأمَّل أدلة نُفاة الصِّفات والأفعال والقدر والحكمة والمعاد وأعطاها حقها من النظر العقلي علم بالعقل فسادها وثبوت نقيضها، ولله الحمد.
الوجه التَّاسع عشر: أن المسائل التي يُقال إنه قد تعارَض فيها العقل والسمع [ليست]٣ من المسائل المعلومة بصريح العقل كمسائل الحساب والهندسة والطبيعيات اليقينية، فلم يجئ في القرآن ولا في السُّنَّة حرفٌ واحدٌ يخالف العقل في هذا الباب. وما جاء من ذلك فهو مكذوبٌ ومفترًى كحديث: «إن الله لمَّا أراد أن يخلق نفسه خَلَقَ خيلًا فأجراها فعَرِقت، فخلق نفسه من ذلك العرق»٤، وحديث: «نزوله عشية عرفة على جمل أورق
(١) «م»: «بمحالات».
(٢) «العقول» ليس في «ح». وأثبته من «م».
(٣) من «درء التعارض» (١/ ١٤٨).
(٤) أخرجه الجورقاني في «الأباطيل والمناكير» (٥٣) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٠٥) وهو حديث باطل لا أصل له، قال الجورقاني: «هذا حديث موضوع، باطل كفر، لا أصل له عند العلماء، ما قاله رسول الله (، ولا رواه عنه أبو هريرة». وقال الدارمي في «نقضه على المريسي» (٢/ ٦٦١): «وما يستنكر هذا الحديث أنه محال المعنى، بل هو كفرٌ لا ينقاد ولا ينقاس، فكيف خلق الخيل التي عرقت قبل أن تكون نفسه في دعواك؟ ويحك أيها المعارض! إنا نكفِّر من يقول: إن كلام الله مخلوق، فكيف من قال: نفسه». وقال الذهبي في «تلخيص الموضوعات» (ص ١٨): «لعن الله من وضعه».
يصافح الركبان، ويعانق المشاة»١.
وكقول اليهود: إنه سبحانه [بكى]٢ على الطوفان حتى رمد، وعادَتْه الملائكة، وإنه ندم على ذلك حتى عض أصابعه، وإنه تَبَدَّى لإسرائيل وصارعه.
وكقول النصارى: إنه اتخذ مريم زوجةً، وأَوْلَدَها عيسى، فهي صاحبته، وعيسى ابنه. تعالى الله عمَّا يقول أعداؤه فيه علوًّا كبيرًا.
وكقولهم: إنه نزل عن كرسي عظمته ودخل في فرج مريم والتحم بناسوت المسيح.
وقول مشركي العرب: إنه صاهَرَ الجن فولدت له الملائكة.
وأمثال ذلك من الأقوال المخالفة لصريح العقل.
فكيف يجعل ما أثبته الله لنفسه في كتابه من صفاته وأفعاله، وما صحَّ عن رسوله أنه أثبته له من علوه فوق سماواته على عرشه واستوائه عليه، وتكلمه وتكليمه، وثبوت علمه وقدرته، وحياته وسمعه وبصره ووجهه الأعلى،
(١) أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» (٢٧/ ٣٩٦) وابن الجوزي في «الموضوعات» (١/ ١٨٠) بنحوه. وقال ابن عساكر: «كتبه أبو بكر الخطيب الحافظ عن الأهوازي متعجبًا من نكارته، وهو حديث موضوع لا أصل له». وقال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يشك أحد في أنه موضوع محال، لا يحتاج لاستحالته أن ينظر في رجاله». وقال ابن تيمية في «درء التعارض» (١/ ١٤٩) عن هذا الحديث وسابقه: «هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم». وينظر «ميزان الاعتدال» (١/ ٥١٣) و«السلسلة الضعيفة» (٦٣٣٠).