الصواعق المرسلة

اِلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي اِلظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٣].

وقال تعالى: ﴿فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاَتَّبَعُوا اُلنُّورَ اَلَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].

وقال تعالى: ﴿اِللَّهُ وَلِيُّ اُلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ اَلظُّلُمَاتِ إِلَى اَلنُّورِ ٢٥٥ وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ اُلطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ اَلنُّورِ إِلَى اَلظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ اُلنّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٥ - ٢٥٦].

ثم أخبر سبحانه عن حال المُعْرِضين عن هذا النور المعارضين للوحي بالعقل بمَثليْنِ، يتضمن أحدهما وَصْفهم بالجهل المركب، والآخر بالجهل البسيط؛ لأنهم بين ناظرٍ وباحثٍ ومقدِّرٍ ومفكرٍ، وبين مقلِّدٍ يحسن الظن بهم، فقال في الطَّائفتين: ﴿وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسِبُهُ اُلظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اَللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاَللَّهُ سَرِيعُ اُلْحِسَابِ ٣٨ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اِللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ [النور: ٣٨ - ٣٩].

الوجه التَّاسع والعشرون: أن يُقال: إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النقل؛ لأن الجمع بين المدلولين جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا١ إبطال للنقيضين. وتقديم العقل ممتنعٌ لأن العقل قد دلَّ على صحة السمع، ووجوب قَبول ما أخبر به الرَّسول، فلو أبطلنا النقل لكُنَّا قد أبطلنا

  1. (١) «ح»: «مع».
515

دلالة العقل، وإذا بَطَلت دلالته لم يصلح أن يكون معارضًا١ للنقل؛ لأن ما ليس بدليلٍ لا يصلح لمعارضة الدليل، فكان تقديم العقل موجبًا لعدم تقديمه، فلا يجوز تقديمه. وهذا بيِّن جدًّا فإن العقل هو الذي دلَّ على صدق السمع وصحته، وأن خبره٢ مطابقٌ لمخبره، فإمَّا أن تكون هذه الدلالة صحيحة أو باطلة، فإن كانت صحيحة امتنع أن يكون في العقل ما يبطلها، وإن كانت باطلة لزم ألَّا يكون العقل دليلًا صحيحًا، وإذا لم يكن دليلًا صحيحًا لم يتبع بحالٍ، فضلًا أن يُقدَّم على الدليل السمعي الصحيح، فصار تقديم العقل على النقل قدحًا في العقل؛ بانتفاء لوازمه ومدلوله، وإذا كان تقديمه على النقل يستلزم القدح فيه، والقدح فيه يمنع دلالته، وذلك يمنع معارضته = استحال تقديمه عند المعارضة، لأن تقديمه عند المعارضة يبطل المعارضة، وذلك يحيل المسألة من أصلها. يوضحه:

الوجه الثلاثون: وهو أن يُقال: معارضة العقل لما دلَّ العقل على أنه حقٌّ دليلٌ على تناقض دلالته، وذلك يوجب فسادها. وأمَّا السمع فلم يُعلم فساد دلالته، ولا تعارضها وتناقضها في نفسها، وإن قُدر أنه لم يعلم صحتها، وإذا تعارض دليلان: أحدهما عَلِمنا فساده، والآخر لم نعلم فساده، كان تقديم ما لم يُعلم فساده أقرب إلى الصواب من تقديم ما يُعلم فساده، وهذا كالشَّاهد إذا عُلِم كَذِبه وفِسْقه لم يَجُزْ تقديم شهادته على شاهدٍ مجهولٍ لم يُعلم كذبه، فكيف إذا كان [ق ٤٩ ب] الشَّاهد الكاذب هو الذي شهد بأنه قد كذب في بعض شهاداته؟!

  1. (١) «ح»: «تعارضا».
  2. (٢) «ح»: «أخبره».
516

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي