فقد أُورِدَ على القدح في النبوات ثمانون شبهةً أو أكثر، وهي كلها عقلية، وأُورد على إثبات الصَّانع سبحانه نحو أربعين شبهةً كلها عقلية، وأُورد على المعاد نحو ذلك. والله يعلم أن هذه الشُّبه من جنس شُبه نُفاة الصِّفات وعلو الله على خلقه وتكلُّمه وتكليمه ورؤيته بالأبصار عيانًا في الآخرة، لكن نفقت هذه الشُّبه بجاه٢ نسبة أربابها إلى الرَّسول والإسلام، وأنهم يذبُّون عن دينه، وينزهون الربَّ عمَّا لا يليق به، وإلَّا فعند التحقيق القاعُ عَرْفَجٌ٣ كلُّه، ولا فرق بين الشُّبه المعارضة لأصل نبوة الرسول والشُّبه المعارضة لما
(١) البيتان لأبي الأسود الدؤلي، وهما في «ديوانه» (ص ١٦٢) و«شرح أدب الكاتب» للجواليقي (ص ٢٩٩). وقال الجواليقي: «يخاطب مولى له كان يحمل تجارة إلى الأهواز، وكان إذا مضى إليها يتناول شيئًا من الشراب؛ فاضطرب أمر البضاعة، فقال أبو الأسود هذه الأبيات ينهاه عن شرب الخمر، ويقول: إن الزبيب يقوم مقامها، فإن لم تكن الخمر نفسها من الزبيب فهي أخته، اغتديا من شجرة واحدة، وقيل: إنه عنى بقوله أخوها الطلاءَ».
(٢) «ح»: «الشبهة تجاه». والمثبت من «م».
(٣) «ح»: «عن فخ». والقاع: المستوي من الأرض. «الصحاح» (٣/ ١٢٧٤). والعرفج: شجر من شجر الصيف ليِّن أغبر، له ثمرة خشناء كالحسك. «تاج العروس» (٦/ ١٠٠). والعرب تقول: «مررت بقاعٍ عرفجٍ كلُّه» أي: جاف وخشن. كما قال ابن جني في «الخصائص» (٢/ ٤٧٢).
١ أخبر به الرسول.
ومن تأمَّل هذا وهذا تبيَّن له حقيقة الحال، وربما وجد الشُّبه القادحة في أصل النبوة أكثر من الشبه القادحة فيما أخبرت به الرُّسل.
فنقول لمن٢ قدَّم المعقول المعارض لما أخبر به الرَّسول: هل تُقدِّم المعقول المعارض لأصل الرسالة والنبوة، وأنت قد أوردته وأجبت عنه بما يُعلم أن صدرك لم يَثلَج له٣، فإن تلك الأجوبة مبنيةٌ على قواعد قد اضطرب فيها قولك، فمرةً تثبتها، ومرةً تنفيها، ومرةً تقف فيها، أم تطرح تلك المعقولات وتهدرها وتشهد بفسادها؟ فحينئذٍ فهلَّا سلكت في المعقولات المعارضة لخبر الرَّسول ما سلكت في تلك، وكانت السبيل واحدة، والطريق في ردِّها واضحة، وأنت من أنصار الله ورسوله، محامٍ عن أصل الرسالة، وعمَّا جاء به الرَّسول، جازمٌ له بعقلك، لا تعارض خبره بعقلك! وهذا في غاية الظهور بحمد الله.
ولولا خشية الإطالة لذكرنا ما ذكره من الشُّبه العقلية القادحة في إثبات الصَّانع ورسالة رسله وفي اليوم الآخر، وفي الشُّبه القادحة في علوِّه على خلقه وصفاته وكلامه ورؤيته، وعرضنا عليك الجميع، ثم إليك الوزن. يوضحه:
الوجه الثَّالث والثلاثون: وهو أن أرباب تلك الشُّبه إنما استطالوا على النُّفاة والجهمية بما ساعدوهم عليه من تلك الشُّبه، وقالوا: كيف يكون
(١) «ح»: «ما». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «فيقول من». والمثبت من «م».
(٣) يقال: ثلجت نفسي بالأمر: إذا اطمأنت إليه وسكنت ووثقت به. «تاج العروس» (٥/ ٤٤٨).