فانظر هذا الإخاء ما ألصقه، والنَّسَب ما أقربه! وإذا أردت أن تعرف حقيقة الحال فانظر حالهم مع هؤلاء الزنادقة في ردِّهم عليهم، وبحوثهم معهم، وخضوعهم لهم فيها، ومقاومة أعداء الرُّسل لهم، واستطالتهم عليهم، ومقاتلتهم لهم بأسلحتهم التي استعاروها منهم.
فإن قلت: كيف أُصيب القوم مع عقولهم وبحثهم ونظرهم واجتهادهم؟!
قلت: أصاب عقولَهم ما أصاب عقول كفار قريشٍ وغيرهم من الأُمم الذين كذبوا الرُّسل مع تلك الأحلام١ والعقول، ولكن كادها باريها٢ عبرة لكل ذي عقلٍ صحيحٍ إلى يوم القيامة. وهذا جزاء مَن لم يرضَ بوحي الله وما وهب لأنبيائه من العقول التي نسبتها إلى عقول العالمين كنسبتهم إليهم.
الوجه الرَّابع والثلاثون: وهو أن الله سبحانه اقتضت حكمته وعدله أن يُفسد على العبد عقله الذي خالف به رسله، ولم يجعله منقادًا لهم، مسلِّمًا لما جاؤوا به، مذعنًا له، بحيث يكون مع الرَّسول كمملوكه المنقاد من جميع الوجوه للمالك المتصرف فيه، ليس له معه تصرُّف بوجهٍ من الوجوه.
فأول ما أفسد سبحانه عقل شيخهم القديم إبليس، حيث لم يَنقَدْ به لأمره، وعارض النصَّ بالعقل، وذكر وجه المعارضة فأفسد عليه عقله غاية الإفساد حتى آل الأمر إلى أن صار إمام المبطلين، وقدوة الملحدين، وشيخ الكفار والمنافقين.
ثم تأمَّلْ كيف أفسد عقول مَن أعرض عن رسله وعارض ما أُرسلوا به، فآل بهم فساد تلك العقول إلى ما قصَّه الله عنهم في كتابه. ومن فساد تلك العقول أنهم لم يرضوا بنبيٍّ من النبيين، ورضوا بإلهٍ من الحجر. ومن فساد تلك العقول أنهم استحبوا العمى على الهدى، وآثروا عقوبة الدنيا والآخرة على سعادتهما، وبدَّلوا نعمة الله كفرًا، وأحلُّوا قومهم دار البوار. وأفسد عقول أهل الكتابين بكفرهم بالرَّسول حتى آل أمرهم إلى ما آل.
[وأفسد عقول]١ الفلاسفة التي قدَّموها على ما جاءت به الرُّسل حتى قالوا ما أضحكوا به كافة العقلاء، وإن كانوا أصحاب صنائع وأفكارٍ استنبطوها٢ بعقولهم لِعَجْز غيرهم عنها، لكن أفسد عليهم العقلَ الذي يُنال به سعادة الأبد، حتى قالوا في فرية سلسلة الموجودات عن واجب الوجود ما هو بسلسلة المجانين أشبه منه بكلام عقلاء الآدميين.
وجعلوا العالم الذي شهدت عليه شواهد الصنعة والاحتياج والافتقار من كون غالبه مُسخرًا مُدبرًا مقهورًا على حركة لا يمكنه الخروج منها، وعلى مكانٍ لا يمكنه مفارقته، وعلى وضع لا يمكنه أن يزول عنه، وعلى ترتيب شهد العقل والفطرة أن غيره رتَّبه هذا الترتيب ووضعه في هذا الموضع وقهره على هذه٣ الحركة= وكون سافله منفعلًا غير فاعلٍ، متأثرًا غير مؤثرٍ كل وقتٍ في مبدأ ومعاد، وشواهدُ الفقر والحاجة والحدوث ظاهرةٌ