وكذلك حكم السمع قد يكون كاذبًا، وقد يكون صادقًا ضرورةً ونظرًا، وقد يكون ظنيًّا، فإذا قارنه العقل كان حكمه علمًا ضروريًّا ونظريًّا١ كالعلم بمجرد الأخبار المتواترة، فإنه حصل بواسطة السمع والعقل، فإن السمع أدَّى إلى العقل ما سمعه من ذلك، والعقل حكم بأن المُخبرِينَ لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأفاده علمًا ضروريًّا أو نظريًّا على الاختلاف في ذلك بوجود المخبَر به، والنزاع في كونه ضروريًّا أو نظريًّا لفظيٌّ٢ لا فائدة فيه.
وكذلك الوهم٣ يدرك أمورًا لا يدري صحيحة هي أم باطلة، فيردها إلى العقل الصريح، فما صححه منها قَبِلَه، وما حكم ببطلانه ردَّه.
فهذا أصلٌ يجب الاعتناء به ومراعاته، وبه يُعلم الصحيح من الباطل.
فإذا عُرف هذا فمعلومٌ أن السمع الذي دلَّ العقل على صحته أصح من السمع الذي لم يشهد له عقلٌ. ولهذا كان الخبر المتواتر أعرف عند العقل من الآحاد، وما ذاك إلَّا لأن دلالة العقل قد قامت على أن المخبرين لا يتواطؤون على الكذب، وإن كان الذي أخبروا به مخالفًا لما اعتاده المُخبَر وأَلِفَه وعَرَفه، فلا يجد مَحِيدًا عن تصديقهم.
(١) «ح»: «ونظير». والمثبت من «م».
(٢) «ح»: «نظير العظمي».
(٣) الوهم: من خطرات القلب، والجمع أوهام، وللقلب وهم، وتوهَّم الشيء: تخيَّله وتمثَّله، كان في الوجود أو لم يكن. «لسان العرب» (١٢/ ٦٤٣). وينظر «التعريفات» للجرجاني (ص ٢٧٦).
فالأدلة١ العقلية البرهانية على صدق الرُّسل وتثبيت نبوتهم أضعاف الأدلة الدَّالة على صدق المُخبرِينَ خبر التواتر، فإن أولئك لم يَقُمْ على صدق كل واحدٍ منهم دليلٌ، وإنما أفاد اجتماعهم على الخبر دليلًا على صدقهم. والرسل - صلاة الله وسلامه عليهم - قد قامت البراهين اليقينية على صدق كل فردٍ فردٍ منهم [ق ٥١ ب] وقد اتفقت كلمتهم وتواطَأَ خبرهم على إثبات العلوِّ والفوقية لله، وأنه على عرشه فوق سماواته بائنٌ من خلقه، وأنه مكلَّمٌ متكلِّمٌ، آمِرٌ ناهٍ، يرضى ويغضب، ويُثيب ويعاقب، ويُحبُّ ويُبغض.
فإفادة خبرهم العلم بالمخبر عنه أعظم من إفادة الأخبار المتواترة لمخبرها، فإن الأخبار المتواترة مستندةٌ إلى حسٍّ قد يغلط، وأخبار الأنبياء مستندةٌ إلى وحيٍ لا يغلط، فالقدح فيها بالعقل من جنس شُبه السوفسطائية القادحة في الحسِّ والعقل. ولو التفتنا إلى كل شبهةٍ يُعارض بها الدليل القطعي لم يبق لنا وثوقٌ بشيءٍ نعلمه بحسٍّ أو عقلٍ أو بهما. يوضحه:
الوجه التَّاسع والثلاثون: أن المعلومات الغائبة التي لا تُدرك إلَّا بالخبر أضعاف أضعاف المعلومات التي تدرك بالحسِّ والعقل، بل لا نسبة بينهما بوجهٍ من الوجوه. ولهذا كان إدراك السمع أعمَّ وأشمل من إدراك البصر، فإنه يُدرك الأمور المعدومة والموجودة والحاضرة والغائبة، والعلوم التي لا تدرك بالحسِّ. وهذا حُجة مَن فضَّل السمع على البصر من النُّظار وغيرهم، وخالفهم آخرون، فرجَّحوا البصر على السمع لقوة إدراكه وجزمه بما يدركه، وبُعده من الغلط. وبين الفريقين مباحثاتٌ يطول ذكرها، قد ذكرها ابن قتيبة٢
(١) «ح»: «بالأدلة». والمثبت من «م».
(٢) أشار إلى ذلك في «تأويل مشكل القرآن» (ص ٥ - ٦).